بَاب إِذَا خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ
بَاب إِذَا خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ 2112 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، وَكَانَا جَمِيعًا ، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ إِذَا خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ ) أَيْ : وَقَبْلَ التَّفَرُّقِ ( فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ ) أَيْ : وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا . أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، أَيْ : فَيَنْقَطِعُ الْخِيَارُ ، وَقَوْلُهُ : وَكَانَا جَمِيعًا تَأْكِيدٌ لِذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ : أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَيْ : فَيَنْقَطِعُ الْخِيَارُ ، وَقَوْلُهُ : فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ أَيْ : وَبَطَلَ الْخِيَارُ ، وَقَوْلُهُ : وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا ، وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ أَيْ : لَمْ يَفْسَخْهُ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ أَيْ : بَعْدَ التَّفَرُّقِ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا فِي انْفِسَاخِ الْبَيْعِ بِفَسْخِ أَحَدِهِمَا ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا أَوْضَحُ شَيْءٍ فِي ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ ، وَهُوَ مُبْطِلٌ لِكُلِّ تَأْوِيلٍ مُخَالِفٍ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ : وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا ، فِيهِ الْبَيَانُ الْوَاضِحُ أَنَّ التَّفَرُّقَ بِالْبَدَنِ هُوَ الْقَاطِعُ لِلْخِيَارِ ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ التَّفَرُّقَ بِالْقَوْلِ لَخَلَا الْحَدِيثُ عَنْ فَائِدَةٍ .
انْتَهَى . وَقَدْ أَقْدَمَ الدَّاوُدِيُّ عَلَى رَدِّ هَذَا الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ بِمَا لَا يُقْبَلُ مِنْهُ فَقَالَ : قَوْلُ اللَّيْثِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَكَانَا جَمِيعًا إِلَخْ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ ؛ لِأَنَّ مَقَامَ اللَّيْثِ فِي نَافِعٍ لَيْسَ كَمَقَامِ مَالِكٍ وَنَظَرَاتِهِ . انْتَهَى .
وَهُوَ رَدٌّ لِمَا اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى ثُبُوتِهِ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ ، وَأَيُّ لَوْمٍ عَلَى مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ مُفَسِّرًا لِأَحَدِ مُحْتَمَلَاتِهِ حَافِظًا مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ غَيْرُهُ مَعَ وُقُوعِ تَعَدُّدِ الْمَجْلِسِ ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ شَيْخَهُمْ حَدَّثَهُمْ بِهِ تَارَةً مُفَسَّرًا وَتَارَةً مُخْتَصَرًا ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ : وَبِهِ جَزَمَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ امْتِدَادِ الْخِيَارِ إِلَى التَّفَرُّقِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمَا إِنِ اخْتَارَا إِمْضَاءَ الْبَيْعِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ لَزِمَ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ وَبَطَلَ اعْتِبَارُ التَّفَرُّقِ ، فَالتَّقْدِيرُ إِلَّا الْبَيْعَ الَّذِي جَرَى فِيهِ التَّخَايُرُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى تَرْجِيحِ هَذَا التَّأْوِيلِ ، وَأَبْطَلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مَا سِوَاهُ وَغَلَّطُوا قَائِلَهُ . انْتَهَى .
وَرِوَايَةُ اللَّيْثِ ظَاهِرَةٌ جِدًّا فِي تَرْجِيحِهِ ، وَقِيلَ : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنِ انْقِطَاعِ الْخِيَارِ بِالتَّفَرُّقِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : أَوْ يُفَرِّقُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَيْ : فَيَشْتَرِطُ الْخِيَارَ مُدَّةً مُعَيَّنَةً فَلَا يَنْقَضِي الْخِيَارُ بِالتَّفَرُّقِ بَلْ يَبْقَى حَتَّى تَمْضِيَ الْمُدَّةُ ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ أَبِي ثَوْرٍ ، وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ بِأَنَّهُ أَقَلُّ فِي الْإِضْمَارِ ، وَتُعَيِّنُهُ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ - قِيلَ : هُوَ ابْنُ أُمَيَّةَ وَقِيلَ : غَيْرُهُ - عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ كَانَ عَنْ خِيَارٍ فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ عَنْ خِيَارٍ وَجَبَ الْبَيْعُ ، وَقِيلَ : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ إِثْبَاتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ ، وَالْمَعْنَى أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَيَخْتَارُ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ فَيَنْتَفِي الْخِيَارُ . وَهَذَا أَضْعَفُ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ ، وَقِيلَ : قَوْلُهُ : إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْعَ خِيَارٍ أَيْ : هُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا أَنْ يَتَخَايَرَا ، وَلَوْ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَإِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ، وَلَوْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ ، وَهُوَ قَوْلٌ يَجْمَعُ التَّأْوِيلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ : إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ أَوْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ : اخْتَرْ إِنْ حَمَلْنَا أَوْ عَلَى التَّقْسِيمِ لَا عَلَى الشَّكِّ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَوْلُهُ : أَوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ مِنْ يُخَيِّرْ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ : مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَيَحْتَمِلُ نَصْبَ الرَّاءِ عَلَى أَنَّ أَوْ بِمَعْنَى إِلَّا أَنْ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ : أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : اخْتَرْ .