بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ الْخِدَاعِ فِي الْبَيْعِ
بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ الْخِدَاعِ فِي الْبَيْعِ 2117 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ ، فَقَالَ : إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْخِدَاعِ فِي الْبَيْعِ ) كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ الْخِدَاعَ فِي الْبَيْعِ مَكْرُوهٌ ، وَلَكِنَّهُ لَا يَفْسَخُ الْبَيْعَ ، إِلَّا إِنْ شَرَطَ الْمُشْتَرِي الْخِيَارَ عَلَى مَا تُشْعِرُ بِهِ الْقِصَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ رَجُلًا ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ زَادَ ابْنُ الْجَارُودِ فِي الْمُنْتَقَى مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ حَبَّانُ بْنُ مُنْقِذٍ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِهِ ، وَزَادَ فِيهِ : قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ قَالَ : هُوَ جَدِّي مُنْقِذُ بْنُ عَمْرٍو وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ .
قَوْلُهُ : ( ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ : فَشَكَا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَلْقَى مِنَ الْغَبْنِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ ) بَيَّنَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ سَبَبَ شَكْوَاهُ وَهُوَ مَا يَلْقَى مِنَ الْغَبْنِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَفْظِ : إِنَّ رَجُلًا كَانَ يُبَايِعُ ، وَكَانَ فِي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ . قَوْلُهُ : ( لَا خِلَابَةَ ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ أَيْ : لَا خَدِيعَةَ وَ لَا لِنَفْيِ الْجِنْسِ أَيْ : لَا خَدِيعَةَ فِي الدِّينِ ؛ لِأَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ ، زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ ، وَعَبْدِ الْأَعْلَى عَنْهُ ثُمَّ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ ، فَإِنْ رَضِيتَ فَأَمْسِكْ ، وَإِنْ سَخِطْتَ فَارْدُدْ فَبَقِيَ حَتَّى أَدْرَكَ زَمَانَ عُثْمَانَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً ، فَكَثُرَ النَّاسُ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ ، وَكَانَ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَقِيلَ لَهُ : إِنَّكَ غُبِنْتَ فِيهِ .
رَجَعَ بِهِ ، فَيَشْهَدُ لَهُ الرَّجُلُ مِنَ الصَّحَابَةِ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ جَعَلَهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا ، فَيَرُدُّ لَهُ دَرَاهِمَهُ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : لَقَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْقَوْلَ لِيُتَلَفَّظَ بِهِ عِنْدَ الْبَيْعِ ، فَيُطْلِعُ بِهِ صَاحِبَهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ذَوِي الْبَصَائِرِ فِي مَعْرِفَةِ السِّلَعِ وَمَقَادِيرِ الْقِيمَةِ ، فَيَرَى لَهُ كَمَا يَرَى لِنَفْسِهِ ، لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ حَضِّ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى أَدَاءِ النَّصِيحَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ : فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بِوَرِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا الْحَدِيثَ . وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِأَحْمَدَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُرَدُّ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ لِمَنْ لَمْ يَعْرِفْ قِيمَةَ السِّلْعَةِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ لِضَعْفِ عَقْلِهِ ، وَلَوْ كَانَ الْغَبْنُ يُمْلَكُ بِهِ الْفَسْخُ لَمَا احْتَاجَ إِلَى شَرْطِ الْخِيَارِ .
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : يُحْتَمَلُ أَنَّ الْخَدِيعَةَ فِي قِصَّةِ هَذَا الرَّجُلِ كَانَتْ فِي الْعَيْبِ ، أَوْ فِي الْكَذِبِ ، أَوْ فِي الثَّمَنِ ، أَوْ فِي الْغَبْنِ ، فَلَا يُحْتَجُّ بِهَا فِي مَسْأَلَةِ الْغَبْنِ بِخُصُوصِهَا ، وَلَيْسَتْ قِصَّةً عَامَّةً ، وَإِنَّمَا هِيَ خَاصَّةٌ فِي وَاقِعَةِ عَيْنٍ ، فَيُحْتَجُّ بِهَا فِي حَقِّ مَنْ كَانَ بِصِفَةِ الرَّجُلِ . قَالَ : وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كُلِّمَ فِي الْبَيْعِ فَقَالَ : مَا أَجِدُ لَكُمْ شَيْئًا أَوْسَعَ مِمَّا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَمَدَارُهُ عَلَى ابْنِ لَهِيعَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ انْتَهَى . وَهُوَ كَمَا قَالَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِهِ ، لَكِنَّ الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا قَدْ تَعَيَّنَتْ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي صَرَّحَ بِهَا بِأَنَّهُ كَانَ يُغْبَنُ فِي الْبُيُوعِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَمَدَ الْخِيَارِ الْمُشْتَرَطَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَيُقْتَصَرُ بِهِ عَلَى أَقْصَى مَا وَرَدَ فِيهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ جَعْلُ الْخِيَارِ فِي الْمُصَرَّاةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَاعْتِبَارُ الثَّلَاثِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ، وَأَغْرَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فَقَالَ : إِنَّمَا قَصَرَهُ عَلَى ثَلَاثٍ ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ بَيْعِهِ كَانَ فِي الرَّقِيقِ ، وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ وَلَا يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ الِاحْتِمَالِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ عِنْدَ الْعَقْدِ : لَا خِلَابَةَ أَنَّهُ يَصِيرُ فِي تِلْكَ الصَّفْقَةِ بِالْخِيَارِ سَوَاءٌ وَجَدَ فِيهِ عَيْبًا أَوْ غَبْنًا أَمْ لَا ، وَبَالَغَ ابْنُ حَزْمٍ فِي جُمُودِهِ فَقَالَ : لَوْ قَالَ : لَا خَدِيعَةَ أَوْ لَا غِشَّ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْخِيَارُ حَتَّى يَقُولَ : لَا خِلَابَةَ .
وَمِنْ أَسْهَلِ مَا يُرَدُّ بِهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَا خِيَابَةَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ بَدَلَ اللَّامِ وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ بَدَلَ اللَّامِ أَيْضًا ، وَكَأَنَّهُ كَانَ لَا يُفْصِحُ بِاللَّامِ لِلَثْغَةِ لِسَانِهِ ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتَغَيَّرِ الْحُكْمُ فِي حَقِّهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا يَشْهَدُونَ لَهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَهُ بِالْخِيَارِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمُ اكْتَفَوْا فِي ذَلِكَ بِالْمَعْنَى ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْكَبِيرَ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ وَلَوْ تَبَيَّنَ سَفَهُهُ لِمَا فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ أَهْلَهُ أَتَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، احْجُرْ عَلَيْهِ ، فَدَعَاهُ فَنَهَاهُ عَنِ الْبَيْعِ فَقَالَ : لَا أَصْبِرُ عَنْهُ ، فَقَالَ : إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ : لَا خِلَابَةَ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَجْرُ عَلَى الْكَبِيرِ لَا يَصِحُّ لَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ ، وَأَمَّا كَوْنُهُ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ الْحَجْرِ عَلَى السَّفِيهِ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ، وَعَلَى جَوَازِ شَرْطِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ ، وَفِيهِ مَا كَانَ أَهْلُ ذَلِكَ الْعَصْرِ عَلَيْهِ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ وَقَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْحُقُوقِ وَغَيْرِهَا .