حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَا ذُكِرَ فِي الْأَسْوَاقِ

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةِ النَّهَارِ لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ ، حَتَّى أَتَى سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ ، فَجَلَسَ بِفِنَاءِ بَيْتِ فَاطِمَةَ فَقَالَ : أَثَمَّ لُكَعُ ، أَثَمَّ لُكَعُ ؟ فَحَبَسَتْهُ شَيْئًا ، فَظَنَنْتُ أَنَّهَا تُلْبِسُهُ سِخَابًا أَوْ تُغَسِّلُهُ ، فَجَاءَ يَشْتَدُّ حَتَّى عَانَقَهُ وَقَبَّلَهُ وَقَالَ : اللَّهُمَّ أَحْبِبْهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ ، قَالَ سُفْيَانُ : قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ : أَخْبَرَنِي أَنَّهُ رَأَى نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ) بِالتَّصْغِيرِ ، فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ وَلَكِنَّهُ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا .

قَوْلُهُ : ( عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ) هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : ( فِي طَائِفَةٍ مِنَ النَّهَارِ ) أَيْ : فِي قِطْعَةٍ مِنْهُ ، وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ صَائِفَةٍ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ طَائِفَةٍ أَيْ : فِي حَرِّ النَّهَارِ ، يُقَالُ : يَوْمٌ صَائِفٌ ، أَيْ : حَارٌّ . قَوْلُهُ : ( لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ ) أَمَّا مِنْ جَانِبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَعَلَّهُ كَانَ مَشْغُولَ الْفِكْرِ بِوَحْيٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَأَمَّا مِنْ جَانِبِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلِلتَّوْقِيرِ ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِ الصَّحَابَةِ إِذَا لَمْ يَرَوْا مِنْهُ نَشَاطًا .

قَوْلُهُ : ( حَتَّى أَتَى سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ فَجَلَسَ بِفِنَاءِ بَيْتِ فَاطِمَةَ فَقَالَ ) هَكَذَا فِي نُسَخِ الْبُخَارِيِّ ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ : سَقَطَ بَعْضُ الْحَدِيثِ عَنِ النَّاقِلِ ، أَوْ أَدْخَلَ حَدِيثًا فِي حَدِيثٍ ؛ لِأَنَّ بَيْتَ فَاطِمَةَ لَيْسَ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ . انْتَهَى . وَمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا احْتِمَالًا هُوَ الْوَاقِعُ ، وَلَمْ يَدْخُلْ لِلرَّاوِي حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ عَنْ سُفْيَانَ فَأَثْبَتَ مَا سَقَطَ مِنْهُ وَلَفْظُهُ : حَتَّى جَاءَ سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ ، ثُمَّ انْصَرَفَ حَتَّى أَتَى فِنَاءَ فَاطِمَةَ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ سُفْيَانَ ، وَأَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ فَقَالَ فِيهِ : حَتَّى أَتَى فِنَاءَ عَائِشَةَ فَجَلَسَ فِيهِ وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ ، وَالْفِنَاءُ بِكَسْرِ الْفَاءِ بَعْدَهَا نُونٌ مَمْدُودَةٌ أَيِ : الْمَوْضِعُ الْمُتَّسِعُ أَمَامَ الْبَيْتِ .

قَوْلُهُ : ( أَثَمَّ لُكَعُ ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ مَفْتُوحَةٌ ، وَلُكَعُ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْكَافِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : اللُّكَعُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا الصَّغِيرُ ، وَالْآخَرُ اللَّئِيمُ ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ ، وَالْمُرَادُ بِالثَّانِي مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا : يَكُونُ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعٍ وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : زَادَ ابْنُ فَارِسٍ أَنَّ الْعَبْدَ أَيْضًا يُقَالُ لَهُ : لُكَعُ . انْتَهَى . وَلَعَلَّ مَنْ أَطْلَقَهُ عَلَى الْعَبْدِ أَرَادَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ .

وَقَالَ بِلَالُ بْنُ جَرِيرٍ التَّمِيمِيُّ : اللُّكَعُ فِي لُغَتِنَا الصَّغِيرُ ، وَأَصْلُهُ فِي الْمَهْرِ وَنَحْوِهِ . وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ : اللُّكَعُ الَّذِي لَا يَهْتَدِي لِمَنْطِقٍ وَلَا غَيْرِهِ ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَلَاكِيعِ وَهِيَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ السُّلَّا . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : وَهَذَا الْقَوْلُ أَرْجَحُ الْأَقْوَالِ هُنَا ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْحَسَنَ صَغِيرٌ لَا يَهْتَدِي لِمَنْطِقٍ ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ لَئِيمٌ وَلَا عَبْدٌ .

قَوْلُهُ : ( فَحَبَسَتْهُ شَيْئًا ) أَيْ : مَنَعَتْهُ مِنَ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْخُرُوجِ إِلَيْهِ قَلِيلًا ، وَالْفَاعِلُ فَاطِمَةُ . قَوْلُهُ : ( فَطَنَّنْتُ أَنَّهَا تُلْبِسُهُ سِخَابًا ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ خَفِيفَةٌ وَبِمُوَحَّدَةٍ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هِيَ قِلَادَةٌ تُتَّخَذُ مِنْ طِيبٍ لَيْسَ فِيهَا ذَهَبٌ وَلَا فِضَّةٌ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ مِنْ قُرُنْفُلٍ ، وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : هُوَ خَيْطٌ مِنْ خَرَزٍ يَلْبَسُهُ الصِّبْيَانُ وَالْجَوَارِي ، وَرَوَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ أَحَدِ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : السِّخَابُ شَيْءٌ يُعْمَلُ مِنَ الْحَنْظَلِ كَالْقَمِيصِ وَالْوِشَاحِ .

قَوْلُهُ : ( أَوْ تَغْسِلُهُ ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ وَتَغْسِلُهُ بِالْوَاوِ . قَوْلُهُ : ( فَجَاءَ يَشْتَدُّ ) أَيْ : يُسْرِعُ فِي الْمَشْيِ ، فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ مُوسَى عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : فَجَاءَ الْحَسَنُ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : فَجَاءَ الْحَسَنُ أَوِ الْحُسَيْنُ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ : أَثَمَّ لُكَعُ؟ يَعْنِي : حَسَنًا وَكَذَا قَالَ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ ، وَسَيَأْتِي فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ بِلَفْظِ : فَقَالَ : أَيْنَ لُكَعُ ، ادْعُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ، فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَمْشِي . قَوْلُهُ : ( فَجَاءَ يَشْتَدُّ حَتَّى عَانَقَهُ وَقَبَّلَهُ ) فِي رِوَايَةِ وَرْقَاءَ : فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ هَكَذَا .

أَيْ : مَدَّهَا . فَقَالَ الْحَسَنُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَالْتَزَمَهُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَحِبَّهُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ بِلَفْظِ : الدُّعَاءِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : أَحْبِبْهُ بِفَكِّ الْإِدْغَامِ ، زَادَ مُسْلِمٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ .

وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنْ تَوْقِيرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمَشْيِ مَعَهُ ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَاضُعِ مِنَ الدُّخُولِ فِي السُّوقِ وَالْجُلُوسِ بِفِنَاءِ الدَّارِ ، وَرَحْمَةُ الصَّغِيرِ وَالْمُزَاحُ مَعَهُ ، وَمُعَانَقَتُهُ وَتَقْبِيلُهُ ، وَمَنْقَبَةٌ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي مَنَاقِبِهِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( قَالَ سُفْيَانُ ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ . قَوْلُهُ : ( عُبَيْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنِي ) فِيهِ تَقْدِيمُ اسْمِ الرَّاوِي عَلَى الصِّيغَةِ وَهُوَ جَائِزٌ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ شَيْخُ سُفْيَانَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ، وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ بَيَانَ لُقِيِّ عُبَيْدِ اللَّهِ ، لِنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ فَلَا تَضُرُّ الْعَنْعَنَةُ فِي الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَيْسَ بِمُدَلِّسٍ إِذَا ثَبَتَ لِقَاؤُهُ لِمَنْ حَدَّثَ عَنْهُ حُمِلَتْ عَنْعَنَتُهُ عَلَى السَّمَاعِ اتِّفَاقًا ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُدَلِّسِ ، أَوْ فِيمَنْ لَمْ يَثْبُتُ لُقِيُّهُ لِمَنْ رَوَى عَنْهُ .

وَأَبْعَدَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ : إِنَّمَا ذَكَرَ الْوِتْرَ هُنَا لِأَنَّهُ لَمَّا رَوَى الْحَدِيثَ الْمَوْصُولَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ انْتَهَزَ الْفُرْصَةَ لِبَيَانِ مَا ثَبَتَ فِي الْوِتْرِ مِمَّا اخْتُلِفَ فِي جَوَازِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث