بَاب بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ وَبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ
بَاب بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ ، وَبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ 2135 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : الَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ : أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ ، وَبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ) لَمْ يُذْكَرْ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى شَرْطِهِ فَاسْتَنْبَطَهُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ . وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ بِلَفْظِ : قَلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيَسْأَلُنِي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي ، أَبِيعُهُ مِنْهُ ثُمَّ أبْتَاعُهُ لَهُ مِنَ السُّوقِ؟ فَقَالَ : لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ .
وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا وَلَفْظُهُ : نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدِي . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَبَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَقُولَ : أَبِيعُكَ عَبْدًا أَوْ دَارًا مُعَيَّنَةً وَهِيَ غَائِبَةٌ ، فَيُشْبِهُ بَيْعَ الْغَرَرِ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَتْلَفَ أَوْ لَا يَرْضَاهَا ، ثَانِيهُمَا أَنْ يَقُولَ : هَذِهِ الدَّارُ بِكَذَا ، عَلَى أَنْ أَشْتَرِيَهَا لَكَ مِنْ صَاحِبِهَا ، أَوْ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَهَا لَكَ صَاحِبُهَا اهـ . وَقِصَّةُ حَكِيمٍ مُوَافِقَةٌ لِلِاحْتِمَالِ الثَّانِي .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَقَوْلُهُ : الَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرٍو كَأَنَّ سُفْيَانَ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ طَاوُسٍ زِيَادَةً عَلَى مَا حَدَّثَهُمْ بِهِ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْهُ ، كَسُؤَالِ طَاوُسٍ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ سَبَبِ النَّهْيِ وَجَوَابِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . قَوْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ . إِلَخْ ) أَيْ : وَأَمَّا الَّذِي لَمْ أَحْفَظْ نَهْيَهُ فَمَا سِوَى ذَلِكَ .
قَوْلُهُ : ( فَهُوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ ) فِي رِوَايَةِ مِسْعَرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ قَالَ مِسْعَرٌ : وَأَظُنُّهُ قَالَ : أَوْ عَلَفًا وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ وَالْفَاءِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا أَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ ) وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ : وَأَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ وَهَذَا مِنْ تَفَقُّهِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِلَى اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِالطَّعَامِ وَاحْتَجَّ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ أَنَّ عِتْقَهُ جَائِزٌ ، قَالَ : فَالْبَيْعُ كَذَلِكَ . وَتُعُقِّبَ بِالْفَارِقِ وَهُوَ تَشَوُّفُ الشَّارِعِ إِلَى الْعِتْقِ .
وَقَوْلُ طَاوُسٍ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ : ذَاكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ مَعْنَاهُ أَنَّهُ اسْتَفْهَمَ عَنْ سَبَبِ هَذَا النَّهْيِ فَأَجَابَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِأَنَّهُ إِذَا بَاعَهُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ وَتَأَخَّرَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَكَأَنَّهُ بَاعَهُ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ . وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ طَاوُسٌ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : لِمَ؟ قَالَ : أَلَا تَرَاهُمْ يَتَبَايَعُونَ بِالذَّهَبِ وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ أَيْ : فَإِذَا اشْتَرَى طَعَامًا بِمِائَةِ دِينَارٍ مَثَلًا ، وَدَفَعَهَا لِلْبَائِعِ وَلَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ الطَّعَامَ ، ثُمَّ بَاعَ الطَّعَامَ لِآخَرَ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا وَقَبَضَهَا وَالطَّعَامُ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، فَكَأَنَّهُ بَاعَ مِائَةَ دِينَارٍ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا ، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ لَا يَخْتَصُّ النَّهْيُ بِالطَّعَامِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا أَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذِهِ الْأَحَادِيثُ حُجَّةٌ عَلَى عُثْمَانَ اللَّيْثِيِّ ، حَيْثُ أَجَازَ بَيْعَ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهَا مَالِكٌ فَحَمَلَ الطَّعَامَ عَلَى عُمُومِهِ وَأَلْحَقَ بِالشِّرَاءِ جَمِيعَ الْمُعَاوَضَاتِ ، وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ حَبِيبٍ ، وَسَحْنُونٌ بِالطَّعَامِ كُلَّ مَا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ ، وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فَعَدَّيَاهُ إِلَى كُلِّ مُشْتَرًى ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ اسْتَثْنَى الْعَقَارَ وَمَا لَا يُنْقَلُ .
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَقَالَ : نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ . قُلْتُ : وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ الْمَذْكُورُ فِي صَدْرِ التَّرْجَمَةِ . وَفِي صِفَةِ الْقَبْضِ عَنِ الشَّافِعِيِّ تَفْصِيلٌ : فَمَا يُتَنَاوَلُ بِالْيَدِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالثَّوْبِ فَقَبْضُهُ بِالتَّنَاوُلِ ، وَمَا لَا يُنْقَلُ كَالْعَقَارِ وَالثَّمَرِ عَلَى الشَّجَرِ فَقَبْضُهُ بِالتَّخْلِيَةِ ، وَمَا يُنْقَلُ فِي الْعَادَةِ كَالْأَخْشَابِ وَالْحُبُوبِ وَالْحَيَوَانِ فَقَبْضُهُ بِالنَّقْلِ إِلَى مَكَانٍ لَا اخْتِصَاصَ لِلْبَائِعِ بِهِ ، وَفِيهِ قَوْلٌ : إِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ التَّخْلِيَةُ .