بَاب النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ وَأَنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ
بَاب النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ ، وَأَنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ لِأَنَّ صَاحِبَهُ عَاصٍ آثِمٌ إِذَا كَانَ بِهِ عَالِمًا ، وَهُوَ خِدَاعٌ فِي الْبَيْعِ وَالْخِدَاعُ لَا يَجُوزُ 2162 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّلَقِّي ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ ، وَأَنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ عَاصٍ آثِمٌ إِذَا كَانَ بِهِ عَالِمًا ، وَهُوَ خِدَاعٌ فِي الْبَيْعِ ، وَالْخِدَاعُ لَا يَجُوزُ ) جَزَمَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ الْبَيْعَ مَرْدُودٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ ، لَكِنْ مَحَلُّ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى ذَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا مَا إِذَا كَانَ يَرْجِعُ إِلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ بِشَرْطِهِ الْآتِي ذِكْرُهُ ، وَأَمَّا كَوْنُ صَاحِبِهِ عَاصِيًا آثِمًا وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ خِدَاعًا فَصَحِيحٌ ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ مَرْدُودًا ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِ الْعَقْدِ ، وَلَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِهِ وَشَرَائِطِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِدَفْعِ الْإِضْرَارِ بِالرُّكْبَانِ ، وَالْقَوْلُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ صَارَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْبَيْعَ مَرْدُودٌ عَلَى مَا إِذَا اخْتَارَ الْبَائِعُ رَدَّهُ فَلَا يُخَالِفُ الرَّاجِحَ . وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَأَلْزَمَهُ التَّنَاقُضَ بِبَيْعِ الْمُصَرَّاةِ ، فَإِنَّ فِيهِ خِدَاعًا وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَبْطُلِ الْبَيْعُ ، وَبِكَوْنِهِ فَصَلَ فِي بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي بَيْنَ أَنْ يَبِيعَ لَهُ بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا بِحَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ الْمَاضِي فِي بَيْعِ الْخِيَارِ فَفِيهِ : فَإِنْ كَذَّبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا قَالَ : فَلَمْ يَبْطُلْ بَيْعُهُمَا بِالْكَذِبِ وَالْكِتْمَانِ لِلْعَيْبِ ، وَقَدْ وَرَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ : أَنَّ صَاحِبَ السِّلْعَةِ إِذَا بَاعَهَا لِمَنْ تَلَقَّاهُ يَصِيرُ بِالْخِيَارِ إِذَا دَخَلَ السُّوقَ ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ التَّلَقِّيَ وَكَرِهَهُ الْجُمْهُورُ .
قُلْتُ : الَّذِي فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ يُكْرَهُ التَّلَقِّي فِي حَالَتَيْنِ : أَنْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الْبَلَدِ ، وَأَنْ يَلْتَبِسَ السِّعْرُ عَلَى الْوَارِدِينَ . ثُمَّ اخْتَلَفُوا : فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَنْ تَلَقَّاهُ فَقَدْ أَسَاءَ وَصَاحِبُ السِّلْعَةِ بِالْخِيَارِ ، وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ تَلَقِّي الْجَلَبِ ، فَإِنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَاهُ فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ إِذَا أَتَى السُّوقَ . قُلْتُ : وَهُوَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ : لَا تَلَقَّوُا الْجَلَبَ ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ وَقَوْلُهُ : فَهُوَ بِالْخِيَارِ أَيْ : إِذَا قَدِمَ السُّوقَ وَعَلِمَ السِّعْرَ ، وَهَلْ يَثْبُتُ لَهُ مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يَقَعَ لَهُ فِي الْبَيْعِ غَبْنٌ؟ وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ وَبِهِ قَالَ الْحَنَابِلَةُ ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ النَّهْيَ لِأَجْلِ مَنْفَعَةِ الْبَائِعِ وَإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْهُ وَصِيَانَتِهِ مِمَّنْ يَخْدَعُهُ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَحَمَلَهُ مَالِكٌ عَلَى نَفْعِ أَهْلِ السُّوقِ لَا عَلَى نَفْعِ رَبِّ السِّلْعَةِ ، وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ الْكُوفِيُّونَ وَالْأَوْزَاعِيُّ قَالَ : وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْخِيَارَ لِلْبَائِعِ لَا لِأَهْلِ السُّوقِ . انْتَهَى . وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِ الْبَابِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ : أَوَّلُها حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ) هُوَ الْمَقْبُرِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنِ التَّلَقِّي ) ظَاهِرُهُ مَنْعُ التَّلَقِّي مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا أَمْ بَعِيدًا ، سَوَاءٌ كَانَ لِأَجْلِ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ أَمْ لَا ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ .