حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الْإِجَارَةِ مِنْ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ

بَاب الْإِجَارَةِ مِنْ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ 2271 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ بُرَيْدٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ عَلَى أَجْرٍ مَعْلُومٍ ، فَعَمِلُوا لَهُ نِصْفَ النَّهَارِ ، فَقَالُوا : لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ الَّذِي شَرَطْتَ لَنَا وَمَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ . فَقَالَ لَهُمْ : لَا تَفْعَلُوا ، أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ وَخُذُوا أَجْرَكُمْ كَامِلًا ، فَأَبَوْا وَتَرَكُوا . وَاسْتَأْجَرَ آخرين بَعْدَهُمْ ، فَقَالَ : أَكْمِلَوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمَ هَذَا ، وَلَكُم الَّذِي شَرَطْتُ لَهُمْ مِنْ الْأَجْرِ فَعَمِلُوا ، حَتَّى إِذَا كَانَ حِينُ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالَوا : لَكَ مَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ ، وَلَكَ الْأَجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فِيهِ .

فَقَالَ لَهُمَ : أَكْمِلَوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمَ ؛ فإن مَا بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ شَيْءٌ يَسِيرٌ ، فَأَبوا ، فاسْتَأْجَرَ قَوْمًا أَنْ يَعْمَلُوا لَهُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ ، فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا ، فَذَلِكَ مَثَلُهُمْ وَمَثَلُ مَا قَبِلُوا مِنْ هَذَا النُّورِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْإِجَارَةِ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ ) أَيْ : مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ إِلَى أَوَّلِ دُخُولِ اللَّيْلِ ، أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى ، وَقَدْ مَضَى سَنَدُهُ وَمَتْنُهُ فِي الْمَوَاقِيتِ ، وَشَيْخُهُ أَبُو كُرَيْبٍ الْمَذْكُورُ هُنَاكَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْمَذْكُورُ هُنَاكَ ، وَبُرَيْدٌ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ . قَوْلُهُ : ( كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا ) هُوَ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ وَالتَّقْدِيرُ : كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَأْجَرَهُمْ رَجُلٌ ، أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ بِالْمُرَكَّبِ .

قَوْلُهُ : ( يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ ) هَذَا مُغَايِرٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُمْ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا فِي الْمَوَاقِيتِ ، وَأَنَّهُمَا حَدِيثَانِ سِيقَا فِي قِصَّتَيْنِ ، نَعَمْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ الْمَاضِيَةِ فِي الْمَوَاقِيتِ الْآتِيَةِ فِي التَّوْحِيدِ مَا يُوَافِقُ رِوَايَةَ أَبِي مُوسَى ، فَرَجَّحَهَا الْخَطَّابِيُّ عَلَى رِوَايَةِ نَافِعٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّتَانِ جَمِيعًا كَانَتَا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ ، فَحَدَّثَ بِهِمَا فِي وَقْتَيْنِ ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا ابْنُ التِّينِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا غَضِبُوا أَوَّلًا ، فَقَالُوا مَا قَالُوا ، إِشَارَةً إِلَى طَلَبِ الزِّيَادَةِ ، فَلَمَّا لَمْ يُعْطَوْا قَدْرًا زَائِدًا تَرَكُوا فَقَالُوا : لَكَ مَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ . انْتَهَى ، وَفِيهِ مَعَ بُعْدِهِ مُخَالَفَةٌ لِصَرِيحِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ فِي الْمَوَاقِيتِ وَفِي التَّوْحِيدِ ، فَفِيهَا : قَالُوا : رَبَّنَا أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا ، فَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُمْ أُعْطُوا ذَلِكَ ، إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُمْ أَعْطَيْتَنَا أَيْ أَمَرْتَ لَنَا أَوْ وَعَدْتَنَا ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجَمْعَ بِكَوْنِهِمَا قِصَّتَيْنِ أَوْضَحُ ، وَظَاهِرُ الْمَثَلِ الَّذِي فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِلْيَهُودِ : آمِنُوا بِي وَبِرُسُلِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَآمَنُوا بِمُوسَى إِلَى أَنْ بُعِثَ عِيسَى فَكَفَرُوا بِهِ ، وَذَلِكَ فِي قَدْرِ نِصْفِ الْمُدَّةِ الَّتِي مِنْ مَبْعَثِ مُوسَى إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ ، فَقَوْلُهُمْ : لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ ، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ كَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَهَذَا من إِطْلَاقُ الْقَوْلِ وإِرَادَةِ لَازِمِهِ ؛ لِأَنَّ لَازِمَهُ تَرْكُ الْعَمَلِ الْمُعَبَّرِ بِهِ عَنْ تَرْكِ الْإِيمَانِ ، وَقَوْلُهُمْ : وَمَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ إِشَارَةٌ إِلَى إِحْبَاطِ عَمَلِهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِعِيسَى ، إِذْ لَا يَنْفَعُهُمُ الْإِيمَانُ بِمُوسَى وَحْدَهُ بَعْدَ بَعْثَةِ عِيسَى ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي النَّصَارَى إِلَّا أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ مُدَّتَهُمْ كَانَتْ قَدْرَ نِصْفِ الْمُدَّةِ فَاقْتَصَرُوا عَلَى نَحْوِ الرُّبُعِ مِنْ جَمِيعِ النَّهَارِ ، وَقَوْلُهُ : وَلَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ . زَادَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : الَّذِي شَرَطْتُ لِهَؤُلَاءِ مِنَ الْأَجْرِ يَعْنِي الَّذِينَ قَبْلَهُمْ ، وَقَوْلُهُ : فَإِنَّمَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ شَيْءٌ يَسِيرٌ ، أَيْ : بِالنِّسْبَةِ لِمَا مَضَى مِنْهُ وَالْمُرَادُ مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا ، وَقَوْلُهُ : وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ أَيْ : بِإِيمَانِهِمْ بِالْأَنْبِيَاءِ الثَّلَاثَةِ ، وَتَضَمَّنَ الْحَدِيثُ الْإِشَارَةَ إِلَى قَصْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي بَقِيَتْ مِنَ الدُّنْيَا ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ : بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ .

قَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ ) هُوَ بِنَصْبِ حِينَ وَيَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ . قَوْلُهُ : ( وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ كِلَاهُمَا بِالرَّفْعِ وَخَطَّأَهُ ، وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ بَلْ لَهُ وَجْهٌ . قَوْلُهُ : ( فَذَلِكَ مَثَلُهُمْ ) أَيِ : الْمُسْلِمِينَ ( وَمَثَلُ مَا قَبِلُوا مِنْ هَذَا النُّورِ ) .

فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : فَذَلِكَ مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ قَبِلُوا هُدَى اللَّهِ وَمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى تَرَكُوا مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ بَقَاءَ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَزِيدُ عَلَى الْأَلْفِ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مُدَّةَ الْيَهُودِ نَظِيرُ مُدَّتَيِ النَّصَارَى وَالْمُسْلِمِينَ ، وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ النَّقْلِ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ الْيَهُودِ إِلَى بَعْثَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ سَنَةٍ ، وَمُدَّةَ النَّصَارَى مِنْ ذَلِكَ سِتُّمِائَةٍ ، وَقِيلَ : أَقَلُّ ، فَتَكُونُ مُدَّةُ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ قَطْعًا ، وَتَضَمَّنَ الْحَدِيثُ أَنَّ أَجْرَ النَّصَارَى كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْيَهُودِ ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ عَمِلُوا نِصْفَ النَّهَارِ بِقِيرَاطٍ وَالنَّصَارَى نَحْوَ رُبُعِ النَّهَارِ بِقِيرَاطٍ ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا حَصَلَ لِمَنْ آمَنَ مِنَ النَّصَارَى بِمُوسَى وَعِيسَى فَحَصَلَ لَهُمْ تَضْعِيفُ الْأَجْرِ مَرَّتَيْنِ ، بِخِلَافِ الْيَهُودِ فَإِنَّهُمْ لَمَّا بُعِثَ عِيسَى كَفَرُوا بِهِ . وَفِي الْحَدِيثِ تَفْضِيلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَتَوْفِيرُ أَجْرِهَا مَعَ قِلَّةِ عَمَلِهَا . وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِدَامَةُ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ ، وَفِي قَوْلِهِ : فَإِنَّمَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ شَيْءٌ يَسِيرٌ ، إِشَارَةٌ إِلَى قِصَرِ مُدَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُدَّةِ غَيْرِهِمْ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعَمَلَ مِنَ الطَّوَائِفِ كَانَ مُسَاوِيًا فِي الْمِقْدَارِ .

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْمَوَاقِيتِ مَشْرُوحًا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث