بَاب مَا يُعْطَى فِي الرُّقْيَةِ عَلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ
بَاب مَا يُعْطَى فِي الرُّقْيَةِ عَلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : لَا يَشْتَرِطُ الْمُعَلِّمُ إِلَّا أَنْ يُعْطَى شَيْئًا فَلْيَقْبَلْهُ وَقَالَ الْحَكَمُ : لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا كَرِهَ أَجْرَ الْمُعَلِّمِ وَأَعْطَى الْحَسَنُ دَرَاهِمَ عَشَرَةً وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ بِأَجْرِ الْقَسَّامِ بَأْسًا ، وَقَالَ : كَانَ يُقَالُ : السُّحْتُ الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ ، وَكَانُوا يُعْطَوْنَ عَلَى الْخَرْصِ 2276 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا ، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ .
فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا : يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ ، وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَعَمْ وَاللَّهِ ، إِنِّي لَأَرْقِي وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا ، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا ، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ ، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ . قَالَ : فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمْ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : اقْسِمُوا . فَقَالَ الَّذِي رَقَى : لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا ، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرُوا لَهُ ، فَقَالَ : وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ؟ ثُمَّ قَالَ : قَدْ أَصَبْتُمْ ، اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَقَالَ شُعْبَةُ : حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ ، سَمِعْتُ أَبَا الْمُتَوَكِّلِ.. . بِهَذَا قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُعْطَى فِي الرُّقْيَةِ عَلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ) ، كَذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلْجَمِيعِ ، وَالْأَحْيَاءُ بِالْفَتْحِ جَمْعُ حَيٍّ وَالْمُرَادُ بِهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَرَبِ مَخْصُوصَةٌ ، قَالَ الْهَمْدَانِيُّ فِي الْأَنْسَابِ : الشِّعْبُ وَالْحَيُّ بِمَعْنَى ، وَسُمِّيَ الشِّعْبَ ؛ لِأَنَّ الْقَبِيلَةَ تَتَشَعَّبُ مِنْهُ . وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَلَا بِاخْتِلَافِ الْأَجْنَاسِ ، وَتَقْيِيدُهُ فِي التَّرْجَمَةِ بِأَحْيَاءِ الْعَرَبِ يُشْعِرُ بِحَصْرِهِ فِيهِ ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ تَرْجَمَ بِالْوَاقِعِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ غَيْرِهِ ، وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ فِي الطِّبِّ الشُّرُوطُ فِي الرُّقْيَةِ بِقَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ ، وَتَرْجَمَ فِيهِ أَيْضًا : الرُّقْيَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَالرُّقْيَةُ كَلَامٌ يُسْتَشْفَى بِهِ مِنْ كُلِّ عَارِضٍ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ دُرَسْتَوَيْهِ ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطِّبِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الطِّبِّ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ لِلْجُمْهُورِ فِي جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ، وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فَمَنَعُوهُ فِي التَّعْلِيمِ وَأَجَازُوهُ فِي الرُّقَى كَالدَّوَاءِ ، قَالُوا : لِأَنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ عِبَادَةٌ ، وَالْأَجْرُ فِيهِ عَلَى اللَّهِ ، وَهُوَ الْقِيَاس فِي الرُّقَى إِلَّا أَنَّهُمْ أَجَازُوهُ فِيهَا لِهَذَا الْخَبَرِ ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمُ الْأَجْرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الثَّوَابِ ، وَسِيَاقُ الْقِصَّةِ الَّتِي فِي الْحَدِيثِ يَأْبَى هَذَا التَّأْوِيلَ . وَادَّعَى بَعْضُهُمْ نَسْخَهُ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْوَعِيدِ عَلَى أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَقَدْ رَوَاهَا أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِثْبَاتٌ لِلنَّسْخِ بِالِاحْتِمَالِ وَهُوَ مَرْدُودٌ ، وَبِأَنَّ الْأَحَادِيثَ لَيْسَ فِيهَا تَصْرِيحٌ بِالْمَنْعِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، بَلْ هِيَ وَقَائِعُ أَحْوَالٍ مُحْتَمِلَةٍ لِلتَّأْوِيلِ لِتَوَافُقِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كَحَدِيثَيِ الْبَابِ ، وَبِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ أَيْضًا لَيْسَ فِيهَا مَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ فَلَا تُعَارِضُ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ ، وَسَيَكُونُ لَنَا عَوْدَةٌ إِلَى الْبَحْثِ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ فِي بَابِ التَّزْوِيجِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : لَا يَشْتَرِطُ الْمُعَلِّمُ ، إِلَّا أَنْ يُعْطَى شَيْئًا فَلْيَقْبَلْهُ ، وَقَالَ الْحَكَمُ : لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا كَرِهَ أَجْرَ الْمُعَلِّمِ ، وَأَعْطَى الْحَسَنُ دَرَاهِمَ عَشَرَةً ) أَمَّا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ : وَإِنْ أُعْطِيَ شَيْئًا فَلْيَقْبَلْهُ وَأَمَّا قَوْلُ الْحَكَمِ فَوَصَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، سَأَلْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ عَنْ أَجْرِ الْمُعَلِّمِ ، فَقَالَ : أَرَى لَهُ أَجْرًا ، وَسَأَلْتُ الْحَكَمَ فَقَالَ : مَا سَمِعْتُ فَقِيهًا يَكْرَهُهُ .
وَأَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ فَوَصَلَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ : لَمَّا حَذَقْتُ قُلْتُ لِعَمِّي : يَا عَمَّاهُ إِنَّ الْمُعَلِّمَ يُرِيدُ شَيْئًا ، قَالَ : مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ : أَعْطِهِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ ، فَلَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى قَالَ : أَعْطِهِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْكِتَابَةِ أَجْرًا وَكَرِهَ الشَّرْطَ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ بِأَجْرِ الْقَسَّامِ بَأْسًا ، وَقَالَ : كَانَ يُقَالُ : السُّحْتُ الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ ) أَمَّا قَوْلُهُ فِي أُجْرَةِ الْقَسَّامِ فَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ ، فَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ابْنُ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أُجُورَ الْقَسَّامِ وَيَقُولُ : كَانَ يُقَالُ : السُّحْتُ الرِّشْوَةُ عَلَى الْحُكْمِ ، وَأَرَى هَذَا حُكْمًا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ الْمُسَيَّبِ : مَا تَرَى فِي كَسْبِ الْقَسَّامِ؟ فَكَرِهَهُ . وَكَانَ الْحَسَنُ يَكْرَهُ كَسْبَهُ . وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : إِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا فَلَا أَدْرِي مَا هُوَ .
وَجَاءَتْ عَنْهُ رِوَايَةٌ يُجْمَعُ بِهَا بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : حَدَّثَنَا عَارِمٌ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ مُحَمَّدٍ - هُوَ ابْنُ سِيرِينَ - أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُشَارِطَ الْقَسَّامَ ، وَكَأَنَّهُ يَكْرَهُ لَهُ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَارَطَةِ ، وَلَا يَكْرَهُهَا إِذَا كَانَتْ بِغَيْرِ اشْتِرَاطٍ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الشَّعْبِيِّ . وَظَهَرَ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ قَوْلَ الْبُخَارِيِّ : وَكَانَ يُقَالُ : السُّحْتُ الرِّشْوَةُ بَقِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ سِيرِينَ ، وَأَشَارَ ابْنُ سِيرِينَ بِذَلِكَ إِلَى مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي تَفْسِيرِ السُّحْتِ : إِنَّهُ الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِأَسَانِيدِهِ عَنْهُمْ ، وَرَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَلَكِنَّهُ مُرْسَلٌ وَلَفْظُهُ : كُلُّ لَحْمٍ أَنْبَتَهُ السُّحْتُ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا السُّحْتُ ؟ قَالَ : الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ . ( تَنْبِيهٌ ) : الْقَسَّامُ بِفَتْحِ الْقَافِ ، فَعَّالٌ مِنَ الْقَسَمِ بِفَتْحِ الْقَافِ وَهُوَ الْقَاسِمُ ، وَشَرَحَهُ الْكِرْمَانِيُّ عَلَى أَنَّهُ بِضَمِّ الْقَافِ جَمْعُ قَاسِمٍ .
وَالسُّحْتُ بِضَمِّ السِّينِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَحُكِيَ ضَمُّ الْحَاءِ وَهُوَ شَاذٌّ ، وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا يَلْزَمُ مِنْ أَكْلِهِ الْعَارُ فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْحَرَامِ . وَالرَّشْوَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَقَدْ تُكْسَرُ وَتُضَمُّ ، وَقِيلَ : بِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ ، وَبِالْكَسْرِ الِاسْمُ . قَوْلُهُ : ( وَكَانُوا يُعْطُونَ عَلَى الْخَرْصِ ) هُوَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ثُمَّ صَادٍ مُهْمَلَةٍ هُوَ الْحَزْرُ وَزْنًا وَمَعْنًى ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي الْبُيُوعِ ، أَيْ : كَانُوا يُعْطُونَ أُجْرَةَ الْخَارِصِ ، وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ أُجْرَةِ الْقَسَّامِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَفْصِلُ التَّنَازُعَ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ ، وَلِأَنَّ الْخَرْصَ يُقْصَدُ لِلْقِسْمَةِ .
وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ الْقَسَّامِ وَالْخَارِصِ لِلتَّرْجَمَةِ الِاشْتِرَاكُ فِي أَنَّ جِنْسَهُمَا وَجِنْسَ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالرُّقْيَةِ وَاحِدٌ ، وَمِنْ ثَمَّ كَرِهَ مَالِكٌ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى عَقْدِ الْوَثَائِقِ لِكَوْنِهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ ، وَكَرِهَ أَيْضًا أُجْرَةَ الْقَسَّامِ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا كَرِهَهَا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُرْزَقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَكَرِهَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أُجْرَةً أُخْرَى ، وَأَشَارَ سَحْنُونٌ إِلَى الْجَوَازِ عِنْدَ فَسَادِ أُمُورِ بَيْتِ الْمَالِ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ : أَحْدَثَ النَّاسُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءٍ لَمْ يَكُنْ يُؤْخَذُ عَلَيْهِنَّ أَجْرٌ : ضِرَابَ الْفَحْلِ ، وَقِسْمَةَ الْأَمْوَالِ ، وَالتَّعْلِيمَ ا هـ . وَهَذَا مُرْسَلٌ ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَتَبَرَّعُونَ بِهَا ، فَلَمَّا فَشَا الشُّحُّ طَلَبُوا الْأُجْرَةَ فَعُدَّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، فَتُحْمَلُ كَرَاهَةُ مَنْ كَرِهَهَا عَلَى التَّنْزِيهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي بِشْرٍ ) هُوَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرَ مِنِ اسْمِهِ كَأَبِيهِ اسْمُهُ إِيَاسٌ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ) هُوَ النَّاجِيُّ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الْبَابِ تَصْرِيحَ أَبِي بِشْرٍ بِالسَّمَاعِ مِنْهُ ، وَتَابَعَ أَبَا عَوَانَةَ عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ شُعْبَةُ كَمَا فِي آخِرِ الْبَابِ ، وَهُشَيْمٌ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ وَخَالَفَهُمُ الْأَعْمَشُ فَرَوَاهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، جَعَلَ بَدَلَ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ، أَبَا نَضْرَةَ ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِهِ ، فَأَمَّا التِّرْمِذِيُّ فَقَالَ : طَرِيقُ شُعْبَةَ أَصَحُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ ، وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ : إِنَّهَا الصَّوَابُ ، وَرَجَّحَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ وَلَمْ يُرَجِّحْ فِي السُّنَنِ شَيْئًا وَكَذَا النَّسَائِيُّ ، وَالَّذِي يَتَرَجَّحُ فِي نَقْدِي أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ مَحْفُوظَانِ لِاشْتِمَالِ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَلَى زِيَادَاتٍ فِي الْمَتْنِ لَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَمَنْ تَابَعَهُ ، فَكَأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ أَبِي بِشْرٍ عَنْ شَيْخَيْنِ ، فَحَدَّثَ بِهِ تَارَةً عَنْ هَذَا وَتَارَةً عَنْ هَذَا ، وَلَمْ يُصِبِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي دَعْوَاهُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُضْطَرِبٌ ، فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا مَعْبَدُ بْنُ سِيرِينَ كَمَا سَيَأْتِي فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ قَتَّةَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، والدَّارَقُطْنِيُّ ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتِهِمْ مِنَ الْفَوَائِدِ . قَوْلُهُ : ( انْطَلَقَ نَفَرٌ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ أَحَدٍ مِنْهُمْ سِوَى أَبِي سَعِيدٍ ، وَلَيْسَ فِي سِيَاقِ هَذِهِ الطَّرِيقِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ السَّفَرَ كَانَ فِي جِهَادٍ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَهُمْ .
وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ قَتَّةَ عِنْدَ أَحْمَدَ : بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْثًا . زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِيهِ : بَعَثَ سَرِيَّةً عَلَيْهَا أَبُو سَعِيدٍ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمَغَازِي ، بَلْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ ، وَهِيَ وَارِدَةٌ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ الْحَيِّ الَّذِينَ نَزَلُوا بِهِمْ مِنْ أَيِّ : الْقَبَائِلِ هُمْ . قَوْلُهُ : ( فَاسْتَضَافُوهُمْ ) أَيْ : طَلَبُوا مِنْهُمُ الضِّيَافَةَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ غَيْرِ التِّرْمِذِيِّ : بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثِينَ رَجُلًا ، فَنَزَلْنَا بِقَوْمٍ لَيْلًا فَسَأَلْنَاهُمُ الْقِرَى فَأَفَادَتْ عَدَدَ السَّرِيَّةِ وَوَقْتَ النُّزُولِ كَمَا أَفَادَتْ رِوَايَةُ الدَّارَقُطْنِيِّ تَعْيِينَ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ ، وَالْقِرَى - بِكَسْرِ الْقَافِ مَقْصُورٌ - : الضِّيَافَةُ .
قَوْلُهُ : ( فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْأَكْثَرِ وَبِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مُخَفَّفًا . قَوْلُهُ : ( فَلُدِغَ ) بِضَمِّ اللَّامِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، وَاللَّدْغُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ اللَّسْعُ وَزْنًا وَمَعْنًى ، وَأَمَّا اللَّذْعُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَهُوَ الْإِحْرَاقُ الْخَفِيفُ ، وَاللَّدْغُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ هُوَ ضَرْبُ ذَاتِ الْحُمَّةِ مِنْ حَيَّةٍ أَوْ عَقْرَبٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْعَقْرَبِ . وَقَدْ أَفَادَتْ رِوَايَةُ الْأَعْمَشِ تَعْيِينُ الْعَقْرَبِ ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ أَنَّهُ مُصَابٌ فِي عَقْلِهِ أَوْ لَدِيغٌ فَشَكٌّ مِنْ هُشَيْمٍ ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبَاقُونَ فَلَمْ يَشُكُّوا فِي أَنَّهُ لَدِيغٌ ، وَلَا سِيَّمَا تَصْرِيحَ الْأَعْمَشِ بِالْعَقْرَبِ ، وَكَذَلِكَ مَا سَيَأْتِي فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدَ بِلَفْظِ : إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ ، وَكَذَا فِي الطِّبِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ ، وَالسَّلِيمُ هُوَ اللَّدِيغُ نَعَمْ ، وَقَعَتْ لِلصَّحَابَةِ قِصَّةٌ أُخْرَى فِي رَجُلٍ مُصَابٍ بِعَقْلِهِ فَقَرَأَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَبَرَأَ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ وَعِنْدَهُمْ رَجُلٌ مَجْنُونٌ مُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ ، فَقَالُوا : إِنَّكَ جِئْتَ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ ، فَارْقِ لَنَا هَذَا الرَّجُلَ الْحَدِيثَ .
فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ ، لَكِنَّ الْوَاقِعَ فِي قِصَّةِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ لَدِيغٌ . قَوْلُهُ : ( فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ ) أَيْ : مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ أَنْ يُتَدَاوَى بِهِ مِنْ لَدْغَةِ الْعَقْرَبِ ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنَ السَّعْيِ أَيْ : طَلَبُوا لَهُ مَا يُدَاوِيهِ ، وللْكُشْمِيهَنِيِّ فَشَفَوْا بِالْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ وَعَلَيْهِ شَرْحُ الْخَطَّابِيِّ فَقَالَ : مَعْنَاهُ طَلَبُوا الشِّفَاءَ ، تَقُولُ : شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي ، أَيْ : أَبْرَأَهُ وَشَفَى لَهُ الطَّبِيبُ أَيْ : عَالَجَهُ بِمَا يَشْفِيهِ أَوْ وَصَفَ لَهُ مَا فِيهِ الشِّفَاءُ ، لَكِنِ ادَّعَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهَا تَصْحِيفٌ . قَوْلُهُ : ( لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ ) .
قَالَ ابْنُ التِّينِ قَالَ تَارَةً : نَفَرًا ، وَتَارَةً : رَهْطًا ، وَالنَّفَرُ مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ وَالثَّلَاثَةِ ، وَالرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ ، وَقِيلَ : يَصِلُ إِلَى الْأَرْبَعِينَ ، قُلْتُ : وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ لَهُ . قَوْلُهُ : ( فَأَتَوْهُمْ ) فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ الَّذِي جَاءَ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ جَارِيَةٌ مِنْهُمْ ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَعَهَا غَيْرُهَا ، زَادَ الْبَزَّارُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : فَقَالُوا لَهُمْ : قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكُمْ جَاءَ بِالنُّورِ وَالشِّفَاءِ ، قَالُوا : نَعَمْ . قَوْلُهُ : ( وَسَعَيْنَا ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : وَشَفَيْنَا بِالْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهَا .
قَوْلُهُ : ( فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : يَنْفَعُ صَاحِبَنَا . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ بَعْضُهُمْ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : نَعَمْ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْقِي بِكَسْرِ الْقَافِ ، وَبَيَّنَ الْأَعْمَشُ أَنَّ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ هُوَ أَبُو سَعِيدٍ رَاوِي الْخَبَرِ ، وَلَفْظُهُ : قُلْتُ : نَعَمْ أَنَا . وَلَكِنْ لَا أَرْقِيهِ حَتَّى تُعْطُونَا غَنَمًا فَأَفَادَ بَيَانَ جِنْسِ الْجُعْلِ وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ مَا يُعْطَى عَلَى عَمَلٍ ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ كَوْنَ الرَّاقِي هُوَ أَبُو سَعِيدٍ رَاوِي الْخَبَرِ مَعَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ : فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مَا كُنَّا نَظُنُّهُ يُحْسِنُ رُقْيَةً وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ بِلَفْظٍ آخَرَ وَفِيهِ : فَلَمَّا رَجَعَ قُلْنَا لَهُ : أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً فَفِي ذَلِكَ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ غَيْرُهُ ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُكَنِّيَ الرَّجُلُ عَنْ نَفْسِهِ ، فَلَعَلَّ أَبَا سَعِيدٍ صَرَّحَ تَارَةً وَكَنَّى أُخْرَى وَلَمْ يَنْفَرِدِ الْأَعْمَشُ بِتَعْيِينِهِ ، وَقَدْ وَقَعَ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ قَتَّةَ بِلَفْظِ : فَأَتَيْتُهُ فَرَقَيْتُهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ : فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَا أَرْقِيهِ وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي رِوَايَةَ الْأَعْمَشِ فَإِنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَنْصَارِيٌّ ، وَأَمَّا حَمْلُ بَعْضِ الشَّارِحِينَ ذَلِكَ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ وَأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ رَوَى قِصَّتَيْنِ كَانَ فِي إِحْدَاهُمَا رَاقِيًا وَفِي الْأُخْرَى كَانَ الرَّاقِي غَيْرَهُ فَبَعِيدٌ جِدًّا ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ اتِّحَادِ الْمَخْرَجِ وَالسِّيَاقِ وَالسَّبَبِ ، وَيَكْفِي فِي رَدِّ ذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّعَدُّدِ وَلَا حَامِلَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ مُمْكِنٌ بِدُونِهِ ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ حَدِيثِ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَمِّهِ فَإِنَّ السِّيَاقَيْنِ مُخْتَلِفَانِ ، وَكَذَا السَّبَبُ ، فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَى التَّعَدُّدِ فِيهِ قَرِيبًا .
قَوْلُهُ : ( فَصَالَحُوهُمْ ) أَيْ : وَافَقُوهُمْ . قَوْلُهُ : ( عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : الْقَطِيعُ هُوَ الطَّائِفَةُ مِنَ الْغَنَمِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْقَطِيعَ هُوَ الشَّيْءُ الْمُقْتَطَعُ مِنْ غَنَمٍ كَانَ أَوْ غَيْرِهَا ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ قُرْقُولٍ وَغَيْرُهُ ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْغَالِبَ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ وَالْأَرْبَعِينَ; وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ : فَقَالُوا : إِنَّا نُعْطِيكُمْ ثَلَاثِينَ شَاةً . وَكَذَا ثَبَتَ ذِكْرُ عَدَدِ الشِّيَاهِ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِعَدَدِ السَّرِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ ، وَكَأَنَّهُمُ اعْتَبَرُوا عَدَدَهُمْ ، فَجَعَلُوا الْجُعْلَ بِإِزَائِهِ .
قَوْلُهُ : ( فَانْطَلَقَ يَتْفُلُ ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَبِكَسْرِهَا وَهُوَ نَفْخٌ مَعَهُ قَلِيلُ بُزَاقٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ : مَحَلُّ التَّفْلِ فِي الرُّقْيَةِ يَكُونُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ لِتَحْصِيلِ بَرَكَةِ الْقِرَاءَةِ فِي الْجَوَارِحِ الَّتِي يَمُرُّ عَلَيْهَا الرِّيقُ فَتَحْصُلُ الْبَرَكَةُ فِي الرِّيقِ الَّذِي يَتْفُلُهُ . قَوْلُهُ : ( وَيَقْرَأُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ : فَجَعَلَ يَقْرَأُ عَلَيْهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ : فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ تَسْمِيَةُ الْفَاتِحَةِ الْحَمْدَ ، ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ عَدَدَ مَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ ، لَكِنَّهُ بَيَّنَهُ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ وَأَنَّهُ سَبْعُ مَرَّاتٍ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَالْحُكْمُ لِلزَّائِدِ .
قَوْلُهُ : ( فَكَأَنَّمَا نُشِطَ ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَهُوَ لُغَةٌ ، وَالْمَشْهُورُ نُشِطَ إِذَا عُقِدَ وَأُنْشِطَ إِذَا حُلَّ ، وَأَصْلُهُ الْأُنْشُوطَةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْمُعْجَمَةِ بَيْنَهُمَا نُونٌ سَاكِنَةٌ وَهِيَ الْحَبْلُ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : حَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى أُنْشِطَ : حُلَّ ، وَمَعْنَى نُشِطَ : أُقِيمَ بِسُرْعَةٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : رَجُلٌ نَشِيطٌ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى نُشِطَ فَزِعَ ، وَلَوْ قُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ ، أَيْ : حُلَّ شَيْئًا فَشَيْئًا . قَوْلُهُ : ( مِنْ عِقَالٍ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا قَافٌ هُوَ الْحَبْلُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ ذِرَاعُ الْبَهِيمَةِ .
قَوْلُهُ : ( وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ ) بِحَرَكَاتٍ أَيْ : عِلَّةٌ ، وَقِيلَ : لِلْعِلَّةِ : قَلَبَةٌ ؛ لِأَنَّ الَّذِي تُصِيبُهُ يُقْلَبُ مِنْ جَنْبٍ إِلَى جَنْبٍ لِيُعْلَمَ مَوْضِعُ الدَّاءِ . قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : وَقَدْ بَرِئْتُ فَمَا فِي الصَّدْرِ مِنْ قَلَبَهْ . وَفِي نُسْخَةِ الدِّمْيَاطِيِّ بِخَطِّهِ : قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : الْقَلَبَةُ دَاءٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقُلَابِ ، يَأْخُذُ الْبَعِيرَ فَيَأْلَمُ قَلْبُهُ فَيَمُوتُ مِنْ يَوْمِهِ .
قَوْلُهُ : ( فَقَالَ بَعْضُهُمْ : اقْسِمُوا ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ الَّذِي رَقَى ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ : فَلَمَّا قَبَضْنَا الْغَنَمَ عَرَضَ فِي أَنْفُسِنَا مِنْهَا شَيْءٌ ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ : فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثِينَ شَاةً وَسَقَانَا لَبَنًا . وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ قَتَّةَ : فَبُعِثَ إِلَيْنَا بِالشِّيَاهِ وَالنُّزُلِ فَأَكَلْنَا الطَّعَامَ ، وَأَبَوْا أَنْ يَأْكُلُوا الْغَنَمَ حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ وَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الَّذِي مَنَعَهُمْ مِنْ تَنَاوُلِهَا هُوَ الرَّاقِي ، وَأَمَّا فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ فَأَبْهَمَهُ .
قَوْلُهُ : ( فَنَنْطُرُ مَا يَأْمُرُنَا ) أَيْ : فَنَتَّبِعُهُ ، وَلَمْ يُرِيدُوا أَنَّهُمْ يُخَيَّرُونَ فِي ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَاهُ وَمَا أَدْرَاكَ ، وَقَدْ رُوِيَ كَذَلِكَ ، وَلَعَلَّهُ هُوَ الْمَحْفُوظُ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ : إِذَا قَالَ : وَمَا يُدْرِيكَ فَلَمْ يُعْلَمْ ، وَإِذَا قَالَ : وَمَا أَدْرَاكَ فَقَدْ أُعْلِمَ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِيمَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الصِّيَامِ ، وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي اللُّغَةِ أَيْ : فِي نَفْيِ الدِّرَايَةِ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ : وَمَا أَدْرَاكَ وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ : وَمَا كَانَ يُدْرِيهِ وَهِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ مِنَ الشَّيْءِ وَتُسْتَعْمَلُ فِي تَعْظِيمِ الشَّيْءِ أَيْضًا ، وَهُوَ لَائِقٌ هُنَا ، زَادَ شُعْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ : وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْهُ نَهْيًا أَيْ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ، وَزَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ قَتَّةَ فِي رِوَايَتِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ : وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ : قُلْتُ : أُلْقِيَ فِي رُوعِي . وللدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، شَيْءٌ أُلْقِيَ فِي رُوعِي ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مُتَقَدِّمٌ بِمَشْرُوعِيَّةِ الرُّقَى بِالْفَاتِحَةِ ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ لَمَّا رَجَعَ : مَا كُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ .
قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَالَ : قَدْ أَصَبْتُمْ ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صَوَّبَ فِعْلَهُمْ فِي الرُّقْيَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ ذَلِكَ فِي تَوَقُّفِهِمْ عَنِ التَّصَرُّفِ فِي الْجُعْلِ حَتَّى اسْتَأْذَنُوهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا ) أَيِ : اجْعَلُوا لِي مِنْهُ نَصِيبًا ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي تَأْنِيسِهِمْ كَمَا وَقَعَ لَهُ فِي قِصَّةِ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ شُعْبَةُ : حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ سَمِعْتُ أَبَا الْمُتَوَكِّلِ ) هَذِهِ الطَّرِيقُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ وَصَلَهَا التِّرْمِذِيُّ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الطِّبِّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ لَكِنْ بِالْعَنْعَنَةِ ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي عَزْوِهِ إِلَى التِّرْمِذِيِّ مَعَ كَوْنِهِ فِي الْبُخَارِيِّ ، وَغَفَلَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَنْ ذَلِكَ فَعَابَ عَلَى مَنْ نَسَبَهُ إِلَى التِّرْمِذِيِّ .
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الرُّقْيَةِ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَا كَانَ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ ، وَكَذَا غَيْرُ الْمَأْثُورِ مِمَّا لَا يُخَالِفُ مَا فِي الْمَأْثُورِ ، وَأَمَّا الرُّقَى بِمَا سِوَى ذَلِكَ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُثْبِتُهُ وَلَا مَا يَنْفِيهِ ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي كِتَابِ الطِّبِّ . وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الضِّيَافَةِ عَلَى أَهْلِ الْبَوَادِي وَالنُّزُولُ عَلَى مِيَاهِ الْعَرَبِ ، وَطَلَبُ مَا عِنْدَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْقِرَى أَوِ الشِّرَاءِ ، وَفِيهِ مُقَابَلَةُ مَنِ امْتَنَعَ مِنَ الْمَكْرُمَةِ بِنَظِيرِ صَنِيعِهِ لِمَا صَنَعَهُ الصَّحَابِيُّ مِنَ الِامْتِنَاعِ مِنَ الرُّقْيَةِ فِي مُقَابَلَةِ امْتِنَاعِ أُولَئِكَ مِنْ ضِيَافَتِهِمْ ، وَهَذِهِ طَرِيقُ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا وَلَمْ يَعْتَذِرِ الْخَضِرُ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا بِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ . وَفِيهِ إِمْضَاءُ مَا يَلْتَزِمُهُ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْتَزَمَ أَنْ يَرْقِيَ وَأَنْ يَكُونَ الْجُعْلُ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ ، وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْوَفَاءِ بِذَلِكَ .
وَفِيهِ الِاشْتِرَاكُ فِي الْمَوْهُوبِ إِذَا كَانَ أَصْلُهُ مَعْلُومًا ، وَجَوَازُ طَلَبِ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ يُعْلَمُ رَغْبَتُهُ فِي ذَلِكَ وَإِجَابَتُهُ إِلَيْهِ . وَفِيهِ جَوَازُ قَبْضِ الشَّيْءِ الَّذِي ظَاهِرُهُ الْحِلُّ وَتَرْكِ التَّصَرُّفِ فِيهِ إِذَا عَرَضَتْ فِيهِ شُبْهَةٌ . وَفِيهِ الِاجْتِهَادُ عِنْدَ فَقْدِ النَّصِّ وَعَظَمَةُ الْقُرْآنِ فِي صُدُورِ الصَّحَابَةِ خُصُوصًا الْفَاتِحَةَ ، وَفِيهِ أَنَّ الرِّزْقَ الْمَقْسُومَ لَا يَسْتَطِيعُ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ مَنْعُهُ مِمَّنْ قُسِمَ لَهُ ؛ لِأَنَّ أُولَئِكَ مَنَعُوا الضِّيَافَةَ وَكَانَ اللَّهُ قَسَمَ لِلصَّحَابَةِ فِي مَالِهِمْ نَصِيبًا فَمَنَعُوهُمْ فَسَبَّبَ لَهُمْ لَدْغَ الْعَقْرَبِ حَتَّى سِيقَ لَهُمْ مَا قُسِمَ لَهُمْ .
وَفِيهِ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ حَيْثُ اخْتَصَّ بِالْعِقَابِ مَنْ كَانَ رَأْسًا فِي الْمَنْعِ ؛ لِأَنَّ مِنْ عَادَةِ النَّاسِ الِائْتِمَارُ بِأَمْرِ كَبِيرِهِمْ ، فَلَمَّا كَانَ رَأْسَهُمْ فِي الْمَنْعِ اخْتُصَّ بِالْعُقُوبَةِ دُونَهُمْ جَزَاءً وِفَاقًا ، وَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ أَيْضًا إِرَادَةُ الْإِجَابَةِ إِلَى مَا يَلْتَمِسُهُ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ الشِّفَاءُ وَلَوْ كَثُرَ ؛ لِأَنَّ الْمَلْدُوغَ لَوْ كَانَ مِنْ آحَادِ النَّاسِ لَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ عَلَى الْقَدْرِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُمْ .