بَاب مَنْ تَكَفَّلَ عَنْ مَيِّتٍ دَيْنًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ، فَلَمْ يَجِئْ مَالُ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ فَنَادَى : مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا ، فَحَثَى لِي حَثْيَةً فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُ مِائَةٍ وَقَالَ : خُذْ مِثْلَيْهَا . ثُمَّ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَمْرٌو ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ .
قَوْلُهُ : ( سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ ) أَيْ : ابْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَقَدْ سَمِعَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ مِنْ جَابِرٍ الْكَثِيرَ ، وَرُبَّمَا أَدْخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَاسِطَةً ، وَلِسُفْيَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِسْنَادٌ آخَرُ سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ . قَوْلُهُ : ( لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ ) هُوَ مَالُ الْجِزْيَةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْمَغَازِي ، وَكَانَ عَامِلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْبَحْرَيْنِ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ إِنْجَازِ الْوَعْدِ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا . قَوْلُهُ : ( قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا ) فِي الطَّرِيقِ الَّتِي فِي الشَّهَادَاتِ : هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ، فَبَسَطَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ قَوْلِهِ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْبَابِ : فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ ، فَقَالَ : خُذْ مِثْلَيْهَا . وَعُرِفَ بِقَوْلِهِ فِيهِ : فَحَثَى لِي حَثْيَةً تَفْسِيرُ قَوْلِهِ : خُذْ هَكَذَا ، كَأَنَّهُ أَشَارَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ فَرْضِ الْخُمُسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي التَّرْجَمَةِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا قَامَ مَقَامَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَكَفَّلَ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ وَاجِبٍ أَوْ تَطَوُّعٍ ، فَلَمَّا الْتَزَمَ ذَلِكَ لَزِمَهُ أَنْ يُوفِيَ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ أَوْ عِدَّةٍ ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ الْوَفَاءَ بِالْوَعْدِ فَنَفَذَ أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ .
وَقَدْ عَدَّ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وُجُوبَ الْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ أَخْذًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا دَلَالَةَ فِي سِيَاقِهِ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ وَلَا عَلَى الْوُجُوبِ . وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَوْ جَرَّ ذَلِكَ نَفْعًا لِنَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَلْتَمِسْ مِنْ جَابِرٍ شَاهِدًا عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ عَلِمَ بِذَلِكَ فَقَضَى لَهُ بِعِلْمِهِ فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى جَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ لِلْحَاكِمِ .