بَاب قِصَاصِ الْمَظَالِم
) كِتَاب الْمَظَالِمِ والغصب 1 - بَاب قِصَاصِ الْمَظَالِمِ في المظالم وَالْغَصْبِ ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ﴾مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ رَافِعِي رءوسهم ، الْمُقْنِعُ وَالْمُقْمِحُ وَاحِدٌ . قَوْلُهُ : ( ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾. كِتَابُ الْمَظَالِمِ .
فِي الْمَظَالِمِ وَالْغَصْبِ ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِيِّ ، وَسَقَطَ كِتَابٌ لِغَيْرِهِ ، وَلِلنَّسَفِيِّ كِتَابُ الْغَصْبِ بَابٌ فِي الْمَظَالِمِ . وَالْمَظَالِمُ جَمْعُ مَظْلِمَةٍ مَصْدَرُ ظَلَمَ يَظْلِمُ وَاسْمٌ لِمَا أُخِذَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَالظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الشَّرْعِيِّ ، وَالْغَصْبُ أَخْذُ حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ - إِلَى - عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ .
وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ . قَوْلُهُ : مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ رَافِعِي رُءُوسِهِمُ ؛ الْمُقْنِعُ وَالْمُقْمِحُ وَاحِدٌ ) سَقَطَ لِلْمُسْتَمْلِيِّ ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ قَوْلَهُ : رَافِعِي رُءُوسِهِمْ وَهُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ وَكَذَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الرَّاجِزِ : أَنْهَضَ نَحْوِي رَأْسَهُ وَأَقْنَعَا كَأَنَّمَا أَبْصَرَ شَيْئًا أَطْمَعَا وَحَكَى ثَعْلَبٌ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ ، يُقَالُ أَقْنَعَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ ، وَأَقْنَعَ إِذَا طَأْطَأَهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ الْوَجْهَانِ : أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ يَنْظُرُ ، ثُمَّ يُطَأْطِئُهُ ذُلًّا وَخُضُوعًا قَالَهُ ابْنُ التِّينِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : الْمُقْنِعُ وَالْمُقْمِحُ وَاحِدٌ فَذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ أَيْضًا فِي الْمَجَازِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يس ، وَزَادَ : مَعْنَاهُ أَنْ يَجْذِبَ الذَّقَنَ حَتَّى تَصِيرَ فِي الصَّدْرِ ثُمَّ يَرْفَعَ رَأْسَهُ ، وَهَذَا يُسَاعِدُ قَوْلَ ابْنِ التِّينِ لَكِنَّهُ بِغَيْرِ تَرْتِيبٍ . قَالَ مُجَاهِدٌ : مُهْطِعِينَ مُدِيمِي النَّظَرِ ، وَقَالَ غيره : مُسْرِعِينَ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ يَعْنِي جُوفًا لَا عُقُولَ لَهُمْ ، ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ ٤٤ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ ٤٥ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ٤٦ فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾2440 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا ، حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا .
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنَا شَعْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : مُهْطِعِينَ مُدِيمِي النَّظَرِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : مُسْرِعِينَ ) ثَبَتَ هَذَا هُـنَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَوَقَعَ لَهُ هُوَ فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَتَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا ، وَأَمَّا تَفْسِيرُ غَيْرِهِ فَالْمُرَادُ بِهِ أَبُو عُبَيْدَةَ أَيْضًا فَكَذَا قَالَهُ وَاسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَالْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كُلًّا مِنَ الْأَمْرَيْنِ ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ : الْمُهْطِعُ الَّذِي يَنْظُرُ فِي ذُلٍّ وَخُشُوعٍ لَا يَقْطَعُ بَصَرَهُ . قَوْلُهُ : وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ يَعْنِي جُوفًا لَا عُقُولَ لَهُمْ ) وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا فِي الْمَجَازِ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ حَسَّانَ : أَلَا أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي فَأَنْتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَوَاءُ وَالْهَوَاءُ : الْخَلَاءُ الَّذِي لَمْ تَشْغَلْهُ الْأَجْرَامُ ، أَيْ لَا قُوَّةَ فِي قُلُوبِهِمْ وَلَا جَرَاءَةَ .
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ : مَعْنَاهُ نُزِعَتْ أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ أَجْوَافِهِمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قِصَاصِ الْمَظَالِمِ ) يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ بَابُ الْقِصَاصِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ . وَقَوْلُهُ : بِقَنْطَرَةٍ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا طَرَفُ الصِّرَاطِ مِمَّا يَلِي الْجَنَّةَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ بَيْنَ الصِّرَاطِ وَالْجَنَّةِ .
وَقَوْلُهُ : فَيَتَقَاصُّونَ بِتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ يَتَفَاعَلُونَ مِنَ الْقِصَاصِ وَالْمُرَادُ بِهِ تَتَبُّعُ مَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْمَظَالِمِ وَإِسْقَاطُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ . وَقَوْلُهُ : حَتَّى إِذَا نُقُّوا بِضَمِّ النُّونِ بَعْدَهَا قَافٌ مِنَ التَّنْقِيَةِ ، وَوَقَعَ لِلْمُسْتَمْلِيِّ هُنَا تَقَصَّوْا بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ أَكْمَلُوا التَّقَاصَّ . قَوْلُهُ : ( وَهُذِّبُوا ) أَيْ خُلِّصُوا مِنَ الْآثَامِ بِمُقَاصَصَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْآتِي ذِكْرُهُ فِي التَّوْحِيدِ : لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ قِبَلَهُ مَظْلِمَةٌ ، وَالْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِينَ هُنَا بَعْضُهُمْ ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِلَخْ ) وَصَلَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ ، وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِهِ تَصْرِيحَ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ بِالتَّحْدِيثِ ، وَاسْمُ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَلِيُّ بْنُ دُؤَادَ بِضَمِّ الدَّالِ بَعْدَهَا هَـمْزَةٌ .