حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِه

بَاب مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ 2480 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ - هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ - قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ ) ؛ أَيْ : مَا حُكْمُهُ ؟ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : دُونَ فِي أَصْلِهَا ظَرْفُ مَكَانٍ بِمَعْنَى تَحْتٍ ، وَتُسْتَعْمَلُ لِلسَّبَبِيَّةِ عَلَى الْمَجَازِ ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الَّذِي يُقَاتِلُ عَنْ مَالِهِ غَالِبًا إِنَّمَا يَجْعَلُهُ خَلْفَهُ أَوْ تَحْتَهُ ثُمَّ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ) هُوَ الْمُقْرِئُ ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ الْأَسَدِيُّ ، وَوَقَعَ مَنْسُوبًا هَـكَذَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ .

قَوْلُهُ : ( عَنْ عِكْرِمَةَ ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ : أَنَّ عِكْرِمَةَ أَخْبَرَهُ ، وَلَيْسَ لِعِكْرِمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - وَهُوَ ابْنُ الْعَاصِ - فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ . قَوْلُهُ : ( مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ . وَكَأَنَّهُ كَتَبَهُ مِنْ حِفْظِهِ أَوْ حَدَّثَ بِهِ الْمُقْرِئُ مِنْ حِفْظِهِ فَجَاءَ بِهِ عَلَى اللَّفْظِ الْمَشْهُورِ ، وَإِلَّا فَقَدْ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ عَنِ الْمُقْرِئِ بِلَفْظِ : مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ مَظْلُومًا فَلَهُ الْجَنَّةُ ، قَالَ : وَمَنْ أَتَى بِهِ عَلَى غَيْرِ اللَّفْظِ الَّذِي اعْتِيدَ فَهُوَ أَوْلَى بِالْحِفْظِ ، وَلَا سِيَّمَا وَفِيهِمْ مِثْلُ دُحَيْمٍ ، وَكَذَلِكَ مَا زَادُوهُ مِنْ قَوْلِهِ : مَظْلُومًا ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ .

وَسَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ دُحَيْمٍ ، وَابْنِ أَبِي عُمَرَ ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سَلَّامٍ ، قُلْتُ : وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ فَضَالَةَ ، عَنِ الْمُقْرِئِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ بِهَذَا اللَّفْظِ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ . نَعَمْ ؛ لِلْحَدِيثِ طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ عِكْرِمَةَ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ بِاللَّفْظِ الْمَشْهُورِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ كَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتِ بْنِ عِيَاضٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَفِي رِوَايَتِهِ قِصَّةٌ قَالَ : لَمَّا كَانَ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَبَيْنَ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَا كَانَ - يُشِيرُ لِلْقِتَالِ - فَرَكِبَ خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَوَعَظَهُ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو : أَمَا عَلِمْتَ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ : مَا كَانَ إِلَى مَا بَيَّنَهُ حَيْوَةُ فِي رِوَايَتِهِ الْمُشَارُ إِلَيْهَا ؛ فَإِنَّ أَوَّلَهَا : إنَّ عَامِلًا لِمُعَاوِيَةَ أَجْرَى عَيْنًا مِنْ مَاءٍ لِيَسْقِيَ بِهَا أَرْضًا ، فَدَنَا مِنْ حَائِطٍ لِآلِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُ لِيُجْرِيَ الْعَيْنَ مِنْهُ إِلَى الْأَرْضِ ، فَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَمَوَالِيهِ بِالسِّلَاحِ وَقَالُوا : وَاللَّهِ لَا تَخْرِقُونَ حَائِطَنَا حَتَّى لَا يَبْقَى مِنَّا أَحَدٌ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَالْعَامِلُ الْمَذْكُورُ هُوَ عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ كَمَا ظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَكَانَ عَامِلًا لِأَخِيهِ عَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ ، وَالْأَرْضُ الْمَذْكُورَةُ كَانَتْ بِالطَّائِفِ ، وَامْتِنَاعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ ذَلِكَ لِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنَ الضَّرَرِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ عَارَضَ بِهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يَضَعَ جِذْعَهُ عَلَى جِدَارِ جَارِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ؛ كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِاللَّفْظِ الْمَشْهُورِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ : مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ . وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فِي التَّرْجَمَةِ لِتَعْبِيرِهِ بِلَفْظِ : قَاتَلَ .

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَبَقِيَّةُ أَصْحَابِ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ ، وَفِيهِ ذِكْرُ الْأَهْلِ وَالدَّمِ وَالدِّينِ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ : مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ ظُلْمًا فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ جَوَازُ قَتْلِ مَنْ قَصَدَ أَخْذَ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ سَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ . وَشَذَّ مَنْ أَوْجَبَهُ ، وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ : لَا يَجُوزُ إِذَا طَلَبَ الشَّيْءَ الْخَفِيفَ .

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : سَبَبُ الْخِلَافِ عِنْدَنَا هَـلِ الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ فَلَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ؟ أَوْ مِنْ بَابِ دَفْعِ الضَّرَرِ فَيَخْتَلِفُ الْحَالُ ؟ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ : مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ أَوْ نَفْسُهُ أَوْ حَرِيمُهُ فَلَهُ الِاخْتِيَارُ أَنْ يُكَلِّمَهُ أَوْ يَسْتَغِيثَ ، فَإِنْ مُنِعَ أَوِ امْتَنَعَ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِتَالُهُ ، وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْ ذَلِكَ وَلَوْ أَتَى عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ عَقْلٌ وَلَا دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ عَمْدُ قَتْلِهِ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَالَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَدْفَعَ عَمَّا ذُكِرَ إِذَا أُرِيدَ ظُلْمًا بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ ، إِلَّا أَنَّ كُلَّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ كالْمُجْمِعِينَ عَلَى اسْتِثْنَاءِ السُّلْطَانِ لِلْآثَارِ الْوَارِدَةِ بِالْأَمْرِ بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِهِ وَتَرْكِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ . وَفَرَّقَ الْأَوْزَاعِيُّ بَيْنَ الْحَالِ الَّتِي لِلنَّاسِ فِيهَا جَمَاعَةٌ وَإِمَامٌ فَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَيْهَا ، وَأَمَّا فِي حَالِ الِاخْتِلَافِ وَالْفُرْقَةِ فَلْيَسْتَسْلِمْ وَلَا يُقَاتِلْ أَحَدًا .

وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي ؟ قَالَ : فَلَا تُعْطِهِ . قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي ؟ قَالَ : فَاقْتُلْهُ . قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي ؟ قَالَ : فَأَنْتَ شَهِيدٌ .

قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ ؟ قَالَ : فَهُوَ فِي النَّارِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : إِنَّمَا أَدْخَلَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ شَهِيدًا إِذَا قُتِلَ فِي ذَلِكَ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَلَا دِيَةَ إِذَا كَانَ هُوَ الْقَاتِلَ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث