بَاب الشَّرِكَةِ فِي الطَّعَامِ وَالنَّهْدِ وَالْعُرُوض
) كِتَاب الشَّرِكَة 1 - باب الشرِكَةِ فِي الطَّعَامِ وَالنَّهْدِ وَالْعُرُوضِ وَكَيْفَ قِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ مُجَازَفَةً أَوْ قَبْضَةً قَبْضَةً ، لَمَّا لَمْ يَرَ الْمُسْلِمُونَ فِي النَّهْدِ بَأْسًا أَنْ يَأْكُلَ هَذَا بَعْضًا وَهَذَا بَعْضًا ، وَكَذَلِكَ مُجَازَفَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْقِرَانُ فِي التَّمْرِ . 2483 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ، وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَأَنَا فِيهِمْ ، فَخَرَجْنَا ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ ، فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ ، فَكَانَ يُقَوِّتُنَاه كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِيَ ، فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلَّا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ ، فَقُلْتُ : وَمَا يغْنِي تَمْرَةٌ ؟ فَقَالَ : لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ . قَالَ : ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ ، فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلَعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ ، ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا .
قَوْلُهُ : ( كِتَابُ الشَّرِكَةِ ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ ، وَابْنِ شَبَّوَيْهِ ، وَلِلْأَكْثَرِ : بَابُ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ : فِي الشَّرِكَةِ ، وَقَدَّمُوا الْبَسْمَلَةَ وَأَخَّرَهَا . وَالشَّرِكَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ، وَبِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ، وَقَدْ تُحْذَفُ الْهَاءُ ، وَقَدْ يُفْتَحُ أَوَّلُهُ مَعَ ذَلِكَ ؛ فَتِلْكَ أَرْبَعُ لُغَاتٍ . وَهِيَ شَرْعًا : مَا يَحْدُثُ بِالِاخْتِيَارِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنْ الِاخْتِلَاطِ لِتَحْصِيلِ الرِّبْحِ ، وَقَدْ تَحْصُلُ بِغَيْرِ قَصْدٍ كَالْإِرْثِ .
قَوْلُهُ : ( الشَّرِكَةُ فِي الطَّعَامِ وَالنَّهْدِ ) أَمَّا الطَّعَامُ فَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ ، وَأَمَّا النَّهْدُ فَهُوَ بِكَسْرِ النُّونِ وَبِفَتْحِهَا إِخْرَاجُ الْقَوْمِ نَفَقَاتِهِمْ عَلَى قَدْرِ عَدَدِ الرُّفْقَةِ ، يُقَالُ : تَنَاهَدُوا وَنَاهَدَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ نَحْوَهُ ، لَكِنْ قَالَ : عَلَى قَدْرِ نَفَقَةِ صَاحِبِهِ ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ فَارِسٍ . وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ : النَّهْدُ الْعَوْنُ .
وَطَرَحَ نَهْدَهُ مَعَ الْقَوْمِ أَعَانَهُمْ وَخَارَجَهُمْ ، وَذَلِكَ يَكُونُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ . وَقِيلَ . فَذَكَرَ قَوْلَ الْأَزْهَرِيِّ .
وَقَالَ عِيَاضٌ مِثْلَ قَوْلِ الْأَزْهَرِيِّ ، إِلَّا أَنَّهُ قَيَّدَهُ بِالسَّفَرِ وَالْخَلْطِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْعَدَدِ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : قَالَ جَمَاعَةٌ : هُوَ النَّفَقَةُ بِالسَّوِيَّةِ فِي السَّفَرِ وَغَيْرِهِ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَصْلَهُ فِي السَّفَرِ ، وَقَدْ تَتَّفِقُ رُفْقَةٌ فَيَضَعُونَهُ فِي الْحَضَرِ كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ مِنْ فِعْلِ الْأَشْعَرِيِّينَ ، وَأَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِالتَّسْوِيَةِ إِلَّا فِي الْقِسْمَةِ ، وَأَمَّا فِي الْأَكْلِ فَلَا تَسْوِيَةَ لِاخْتِلَافِ حَالِ الْآكِلِينَ ، وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَشْهَدُ لِكُلِّ ذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : هُوَ مَا تُخْرِجُهُ الرُّفْقَةُ عِنْدَ الْمُنَاهَدَةِ إِلَى الْغَزْوِ ، وَهُوَ أَنْ يَقْتَسِمُوا نَفَقَتَهُمْ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِأَحَدِهِمْ عَلَى الْآخَرِ فَضْلٌ ، فَزَادَهُ قَيْدًا آخَرَ وَهُوَ سَفَرُ الْغَزْوِ ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ خَلَطَ الزَّادَ فِي السَّفَرِ مُطْلَقًا ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ حَيْثُ قَالَ : يَأْكُلُ هَذَا بَعْضًا وَهَذَا بَعْضًا ، وَقَالَ الْقَابِسِيُّ : هُوَ طَعَامُ الصُّلْحِ بَيْنَ الْقَبَائِلِ ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ ، فَإِنْ ثَبَتَ فَلَعَلَّهُ أَصْلُهُ .
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ التَّارِيخِيُّ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ النَّهْدَ حُضَيْنٌ - بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ مُصَغَّرٌ - الرَّقَاشِيُّ . قلت : وَهُوَ بَعِيدٌ لِثُبُوتِهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَحُضَيْنٌ لَا صُحْبَةَ لَهُ ، فَإِنْ ثَبَتَتِ احْتَمَلَتْ أَوَّلِيَّتُهُ فِيهِ فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ أَوْ فِي فِئَةٍ مَخْصُوصَةٍ . قَوْلُهُ : ( وَالْعُرُوضُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ جَمْعُ عَرْضٍ بِسُكُونِ الرَّاءِ مُقَابِلُ النَّقْدِ ، وَأَمَّا بِفَتْحِهَا فَجَمِيعُ أَصْنَافِ الْمَالِ ، وَمَا عَدَا النَّقْدَ يَدْخُلُ فِيهِ الطَّعَامُ فَهُوَ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ وَيَدْخُلُ فِيهِ الرِّبَوِيَّاتُ ، وَلَكِنَّهُ اغْتُفِرَ فِي النَّهْدِ لِثُبُوتِ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِهِ .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صِحَّةِ الشَّرِكَةِ كَمَا سَيَأْتِي . قَوْلُهُ : ( وَكَيْفَ قِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ ) ؛ أَيْ : هَلْ يَجُوزُ قِسْمَتُهُ مُجَازَفَةً ؟ أَوْ لَا بُدَّ مِنَ الْكَيْلِ فِي الْمَكِيلِ وَالْوَزْنِ فِي الْمَوْزُونِ ؟ وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : مُجَازَفَةً أَوْ قَبْضَةً قَبْضَةً ؛ أَيْ مُتَسَاوِيَةً . قَوْلُهُ : ( لِمَا لَمْ تَرَ الْمُسْلِمُونَ بِالنَّهْدِ بَأْسًا ) هُوَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَقَدْ وَرَدَ التَّرْغِيبُ فِي ذَلِكَ .
وَرَوَى أَبُو عُبَيْدَ فِي الْغَرِيبِ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : أَخْرِجُوا نَهْدَكُمْ ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ وَأَحْسَنُ لِأَخْلَاقِكُمْ . قَوْلُهُ : ( وَكَذَلِكَ مُجَازَفَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ) كَأَنَّهُ أَلْحَقَ النَّقْدَ بِالْعَرْضِ لِلْجَامِعِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الْمَالِيَّةُ ، لَكِنْ إِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ فِي قِسْمَةِ الذَّهَبِ مَعَ الْفِضَّةِ ، أَمَّا قِسْمَةُ أَحَدِهِمَا خَاصَّةً - حَيْثُ يَقَعُ الِاشْتِرَاكُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ - فَلَا يَجُوزُ إِجْمَاعًا ، قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : شَرَطَ مَالِكٌ فِي مَنْعِهِ أَنْ يَكُونَ مَصْكُوكًا وَالتَّعَامُلَ فِيهِ بِالْعَدَدِ .
فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا عَدَاهُ جُزَافًا ، وَمُقْتَضَى الْأُصُولِ مَنْعُهُ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ جَوَازُهُ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْتَجَّ لَهُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي مَالِ الْبَحْرَيْنِ ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ قِسْمَةَ الْعَطَاءِ لَيْسَتْ عَلَى حَقِيقَةِ الْقِسْمَةِ ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِلْآخِذِينَ قَبْلَ التَّمْيِيزِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وقَوْلُهُ : ( وَالْقِرَانُ فِي التَّمْرِ ) يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَاضِي فِي الْمَظَالِمِ ، وَسَيَأْتِي أَيْضًا بَعْدَ بَابَيْنِ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ ؛ أَحَدُهَا : حَدِيثُ جَابِرٍ فِي بَعْثِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ إِلَى جِهَةِ السَّاحِلِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْمَغَازِي ، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ : فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ فَجُمِعَ الْحَدِيثُ .
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَلَا الَّذِي بَعْدَهُ ذِكْرُ الْمُجَازَفَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا الْمُبَايَعَةَ وَلَا الْبَدَلَ ، وَإِنَّمَا يَفْضُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لَوْ أَخَذَ الْإِمَامُ مِنْ أَحَدِهِمْ لِلْآخَرِ . وَأَجَابَ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ حُقُوقَهُمْ تَسَاوَتْ فِيهِ بَعْدَ جَمْعِهِ ، لَكِنَّهُمْ تَنَاوَلُوهُ مُجَازَفَةً كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ .