حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الرَّهْنِ فِي الْحَضَر

) كِتَاب الرَّهْنِ 1 - بَاب في الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ ، وَقَوْل الله عز وجل : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ 2508 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : وَلَقَدْ رَهَنَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِرْعَهُ بِشَعِيرٍ ، وَمَشَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ . وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ : مَا أَصْبَحَ لِآلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا صَاعٌ وَلَا أَمْسَى ، وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أَبْيَاتٍ . قَوْلُهُ : ( ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .

كِتَابٌ فِي الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ ، وَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَلِغَيْرِهِ : بَابُ بَدَلَ كِتَابُ ، وَلِابْنِ شَبَّوَيْهِ : بَابُ مَا جَاءَ ، وَكُلُّهُمْ ذَكَرُوا الْآيَةَ مِنْ أَوَّلِهَا . وَالرَّهْنُ - بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْهَاءِ - فِي اللُّغَةِ : الِاحْتِبَاسُ ؛ مِنْ قَوْلِهِمْ : رَهَنَ الشَّيْءُ ، إِذَا دَامَ وَثَبَتَ . وَمِنْهُ : ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ وَفِي الشَّرْعِ : جَعْلُ مَالٍ وَثِيقَةً عَلَى دَيْنٍ .

وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ . وَأَمَّا الرُّهُنُ بِضَمَّتَيْنِ فَالْجَمْعُ ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى رِهَانٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ كَكُتُبٍ وَكِتَابٍ ، وَقُرِئَ بِهِمَا . وَقَوْلُهُ : فِي الْحَضَرِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالسَّفَرِ فِي الْآيَةِ خَرَجَ لِلْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ لِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ فِي الْحَضَرِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَاحْتَجُّوا لَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّ الرَّهْنَ شُرِعَ تَوْثِقَةً عَلَى الدَّيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَإِنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّهْنِ الِاسْتِيثَاقُ ، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِالسَّفَرِ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ فَقْدِ الْكَاتِبِ فَأَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مُجَاهِدٌ ، وَالضَّحَّاكُ فِيمَا نَقَلَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُمَا فَقَال : لَا يُشْرَعُ إِلَّا فِي السَّفَرِ حَيْثُ لَا يُوجَدُ الْكَاتِبُ ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : إِنْ شَرَطَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ فِي الْحَضَرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ تَبَرَّعَ بِهِ الرَّاهِنُ جَازَ ، وَحَمَلَ حَدِيثَ الْبَابِ عَلَى ذَلِكَ .

وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَعَادَتِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي بَابِ شِرَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّسِيئَةِ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ : وَلَقَدْ رَهَنَ دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ ، وَعُرِفَ بِذَلِكَ الرَّدُّ عَلَى مَنِ اعْتَرَضَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ تَعَرُّضٌ لِلرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ) تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ مَقْرُونًا بِإِسْنَادٍ آخَرَ ، وَسَاقَهُ هُنَاكَ عَلَى لَفْظِهِ ، وَهُنَا عَلَى لَفْظِ : مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ . قَوْلُهُ : ( وَلَقَدْ رَهَنَ دِرْعَهُ ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ ، بَيَّنَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبَانَ الْعَطَّارِ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ يَهُودِيًّا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجَابَهُ .

وَالدِّرْعُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ . قَوْلُهُ : ( بِشَعِيرٍ ) وَقَعَ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ : وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لِأَهْلِهِ . وَهَذَا الْيَهُودِيُّ هُوَ أَبُو الشَّحْمِ ، بَيَّنَهُ الشَّافِعِيُّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَهَنَ دِرْعًا لَهُ عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ظَفَرٍ فِي شَعِيرٍ ، انْتَهَى .

وَأَبُو الشَّحْمِ - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ - اسْمُهُ كُنْيَتُهُ ، وَظَفَرٌ بِفَتْحِ الظَّاءِ وَالْفَاءِ بَطْنٌ مِنْ الْأَوْسِ وَكَانَ حَلِيفًا لَهُمْ ، وَضَبَطَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِهَمْزَةٍ مُوَحَّدَةٍ مَمْدُودَةٍ وَمَكْسُورَةٍ ، اسْمُ الْفَاعِلِ مِنَ الْإِبَاءِ ، وَكَأَنَّهُ الْتَبَسَ عَلَيْهِ بِأَبِي اللَّحْمِ الصَّحَابِيِّ ، وَكَانَ قَدْرُ الشَّعِيرِ الْمَذْكُورِ ثَلَاثِينَ صَاعًا كَمَا سَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْجِهَادِ وَأَوَاخِرِ الْمَغَازِي . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَا : بِعِشْرِينَ ، وَلَعَلَّهُ كَانَ دُونَ الثَّلَاثِينَ فَجَبَرَ الْكَسْرَ تَارَةً وَأَلْغَى أُخْرَى ، وَوَقَعَ لِابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ قِيمَةَ الطَّعَامِ كَانَتْ دِينَارًا ، وَزَادَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ الْآتِيَةِ فِي آخِرِهِ : فَمَا وَجَدَ مَا يَفْتَكُّهَا بِهِ حَتَّى مَاتَ . قَوْلُهُ : ( وَمَشَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ ) وَالْإِهَالَةُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْهَاءِ مَا أُذِيبَ مِنَ الشَّحْمِ وَالْإلْيَةِ ، وَقِيلَ : هُوَ كُلُّ دَسَمٍ جَامِدٍ ، وَقِيلَ : مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ مِنَ الْأَدْهَانِ .

وَقَوْلُهُ : سَنِخَةٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ مَفْتُوحَةٌ ؛ أَيِ الْمُتَغَيِّرَةِ الرِّيحِ . وَيُقَالُ فِيهَا بِالزَّايِ أَيْضًا . وَوَقَعَ لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : لَقَدْ دُعِيَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ ، فَكَأَنَّ الْيَهُودِيَّ دَعَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى لِسَانِ أَنَسٍ ، فَلِهَذَا قَالَ : مَشَيْتُ إِلَيْهِ بِخِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَضَرَ ذَلِكَ إِلَيْهِ .

قَوْلُهُ : ( وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ ) فَاعِلُ سَمِعْتُ أَنَسٌ ، وَالضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فَاعِلُ يَقُولُ . وَجَزَمَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ أَنَسٌ وَفَاعِلُ سَمِعْتُ قَتَادَةُ ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى الرَّدِّ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ : وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ لَفْظَ ابْنِ مَاجَهْ ، وَسَاقَهُ أَحْمَدُ بِتَمَامِهِ .

قَوْلُهُ : ( مَا أَصْبَحَ لِآلِ مُحَمَّدٍ إِلَّا صَاعٌ وَلَا أَمْسَى ) كَذَا لِلْجَمِيعِ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْكَجِّيِّ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ : مَا أَصْبَحَ لِآلِ مُحَمَّدٍ وَلَا أَمْسَى إِلَّا صَاعٌ . وَخُولِفَ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي ذَلِكَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ ، وَمُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ بِلَفْظِ : مَا أَمْسَى فِي آلِ مُحَمَّدٍ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ وَلَا صَاعٌ مِنْ حَبٍّ ، وَتَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ بِلَفْظِ : بُرٍّ بَدَلَ تَمْرٍ . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أَبْيَاتٍ ) فِي رِوَايَةِ الْمَذْكُورِينَ : وَإِنَّ عِنْدَهُ يَوْمَئِذَ لَتِسْعُ نِسْوَةٍ ، وَسَيَأْتِي سِيَاقُ أَسْمَائِهِنَّ فِي كِتَابِ الْمَنَاقِبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ أَنَسٍ لِهَذَا الْقَدْرِ مَعَ مَا قَبْلَهُ الْإِشَارَةُ إِلَى سَبَبِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ مُتَضَجِّرًا وَلَا شَاكِيًا - مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ - وَإِنَّمَا قَالَهُ مُعْتَذِرًا عَنْ إِجَابَتِهِ دَعْوَةَ الْيَهُودِيِّ وَلِرَهْنِهِ عِنْدَهُ دِرْعَهُ ، وَلَعَلَّ هَذَا هُـوَ الْحَامِلُ الَّذِي زَعَمَ بِأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ هُوَ أَنَسٌ فِرَارًا مِنْ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ بِمَعْنَى التَّضَجُّرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ مُعَامَلَةِ الْكُفَّارِ فِيمَا لَمْ يَتَحَقَّقْ تَحْرِيمُ عَيْنِ الْمُتَعَامَلِ فِيهِ وَعَدَمُ الِاعْتِبَارِ بِفَسَادِ مُعْتَقَدِهِمْ وَمُعَامَلَاتِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ ، وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ جَوَازُ مُعَامَلَةِ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ . وَفِيهِ جَوَازُ بَيْعِ السِّلَاحِ وَرَهْنِهِ وَإِجَارَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْكَافِرِ مَا لَمْ يَكُنْ حَرْبِيًّا ، وَفِيهِ ثُبُوتُ أَمْلَاكِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي أَيْدِيهِمْ ، وَجَوَازُ الشِّرَاءِ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ وَاتِّخَاذِ الدُّرُوعِ وَالْعُدَدِ وَغَيْرِهَا مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ وَأَنَّهُ غَيْرُ قَادِحٍ فِي التَّوَكُّلِ ، وَأَنَّ قُنْيَةَ آلَةِ الْحَرْبِ لَا تَدُلُّ عَلَى تَحْبِيسِهَا ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ .

وَأَنَّ أَكْثَرَ قُوتِ ذَلِكَ الْعَصْرِ الشَّعِيرُ ، قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ . وَأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِي قِيمَةِ الْمَرْهُونِ مَعَ يَمِينِهِ ، حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ . وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ التَّوَاضُعِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالتَّقَلُّلِ مِنْهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا ، وَالْكَرَمِ الَّذِي أَفْضَى بِهِ إِلَى عَدَمِ الِادِّخَارِ حَتَّى احْتَاجَ إِلَى رَهْنِ دِرْعِهِ ، وَالصَّبْرِ عَلَى ضِيقِ الْعَيْشِ وَالْقَنَاعَةِ بِالْيَسِيرِ ، وَفَضِيلَةٌ لِأَزْوَاجِهِ لِصَبْرِهِنَّ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا مَضَى وَيَأْتِي .

قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْحِكْمَةُ فِي عُدُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مُعَامَلَةِ مَيَاسِيرِ الصَّحَابَةِ إِلَى مُعَامَلَةِ الْيَهُودِ إِمَّا لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، أَوْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إِذْ ذَاكَ طَعَامٌ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَةِ غَيْرِهِمْ ، أَوْ خَشِيَ أَنَّهُمْ لَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ ثَمَنًا أَوْ عِوَضًا فَلَمْ يُرِدِ التَّضْيِيقَ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ إِذْ ذَاكَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَأَكْثَرَ مِنْهُ ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يُطْلِعْهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أَطْلَعَ عَلَيْهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُوسِرًا بِهِ مِمَّنْ نَقَلَ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث