حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوب

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الضهر يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا ، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا ، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ . قَوْلُهُ في الرواية الثانية : ( وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ ) ؛ أَيْ كَائِنًا مَنْ كَانَ ، هَذَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ : يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ الِانْتِفَاعُ بِالرَّهْنِ إِذَا قَامَ بِمَصْلَحَتِهِ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمَالِكُ ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ . وَطَائِفَةٌ قَالُوا : يَنْتَفِعُ الْمُرْتَهِنُ مِنَ الرَّهْنِ بِالرُّكُوبِ وَالْحَلْبِ بِقَدْرِ النَّفَقَةِ وَلَا يَنْتَفِعُ بِغَيْرِهِمَا لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا دَعْوَى الْإِجْمَالِ فِيهِ فَقَدْ دَلَّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى إِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِنْفَاقِ ، وَهَذَا يَخْتَصُّ بِالْمُرْتَهِنِ لِأَنَّ الْحَدِيثَ وَإِنْ كَانَ مُجْمَلًا لَكِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْمُرْتَهِنِ لِأَنَّ انْتِفَاعَ الرَّاهِنِ بِالْمَرْهُونِ لِكَوْنِهِ مَالِكَ رَقَبَتِهِ لَا لِكَوْنِهِ مُنْفِقًا عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُرْتَهِنِ ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا يَنْتَفِعُ مِنَ الْمَرْهُونِ بِشَيْءٍ ، وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ لِكَوْنِهِ وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : التَّجْوِيزُ لِغَيْرِ الْمَالِكِ أَنْ يَرْكَبَ وَيَشْرَبَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، وَالثَّانِي : تَضْمِينُهُ ذَلِكَ بِالنَّفَقَةِ لَا بِالْقِيمَةِ .

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ يَرُدُّهُ أُصُولٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَآثَارٌ ثَابِتَةٌ لَا يُخْتَلَفُ فِي صِحَّتِهَا ، وَيَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَاضِي فِي أَبْوَابِ الْمَظَالِمِ : لَا تُحْلَبُ مَاشِيَةُ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْ رَهَنَ ذَاتَ دَرٍّ وَظَهْرٍ لَمْ يَمْنَعِ الرَّاهِنَ مِنْ دَرِّهَا وَظَهْرِهَا ، فَهِيَ مَحْلُوبَةٌ وَمَرْكُوبَةٌ لَهُ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ الرَّهْنِ ، وَاعْتَرَضَهُ الطَّحَاوِيُّ بِمَا رَوَاهُ هُشَيْمٌ ، عَنْ زَكَرِيَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَفْظُهُ : إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ عَلَفُهَا الْحَدِيثَ . قَالَ : فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُرْتَهِنُ لَا الرَّاهِنُ ، ثُمَّ أَجَابَ عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبَا ، فيما حَرَّمَ الرِّبَا حَرَّمَ أَشْكَالَهُ مِنْ بَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ وَقَرْضِ كُلِّ مَنْفَعَةٍ تَجُرُّ رِبًا .

قَالَ : فَارْتَفَعَ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا مَا أُبِيحَ فِي هَذَا لِلْمُرْتَهِنِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، وَالتَّارِيخُ فِي هَذَا مُتَعَذَّرٌ ; وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ مُمْكِنٌ ، وَطَرِيقُ هُشَيْمٍ الْمَذْكُورُ زَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ سَالِمٍ الصَّائِغَ تَفَرَّدَ عَنْ هُشَيْمٍ بِالزِّيَادَةِ وَأَنَّهَا مِنْ تَخْلِيطِهِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ أَحْمَدَ رَوَاهَا فِي مُسْنَدِهِ عَنْ هُشَيْمٍ ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، وَقَدْ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى حَمْلِهِ عَلَى مَا إِذَا امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنَ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْمَرْهُونِ فَيُبَاحُ حِينَئِذٍ لِلْمُرْتَهِنِ الْإِنْفَاقُ عَلَى الْحَيَوَانِ حِفْظًا لِحَيَاتِهِ وَلِإِبْقَاءِ الْمَالِيَّةِ فِيهِ ، وَجُعِلَ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ نَفَقَتِهِ الِانْتِفَاعُ بِالرُّكُوبِ أَوْ بِشُرْبِ اللَّبَنِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَزِيدَ قَدْرُ ذَلِكَ أَوْ قِيمَتُهُ عَلَى قَدْرِ عَلَفِهِ ، وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ مَسَائِلِ الظَّفَرِ . وَقِيلَ : إِنَّ الْحِكْمَةَ فِي الْعُدُولِ عَنِ اللَّبَنِ إِلَى الدَّرِّ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْمُرْتَهِنَ إِذَا حَلَبَ جَازَ لَهُ ، لِأَنَّ الدَّرَّ يُنْتَجُ مِنَ الْعَيْنِ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ اللَّبَنُ فِي إِنَاءٍ مَثَلًا وَرَهَنَهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا أَصْلًا ، كَذَا قَالَ ، وَاحْتَجَّ الْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي بِأَنَّ نَفَقَةَ الْحَيَوَانِ وَاجِبَةٌ وَلِلْمُرْتَهِنِ فِيهِ حَقٌّ ، وَقَدْ أَمْكَنَ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ مِنْ نَمَاءِ الرَّهْنِ وَالنِّيَابَةِ عَنِ الْمَالِكِ فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَاسْتِيفَاءُ ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعِهِ ، فَجَازَ ذَلِكَ كَمَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَخْذُ مؤنتها مِنْ مَالِ زَوْجِهَا عِنْدَ امْتِنَاعِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَالنِّيَابَةُ عَنْهُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث