بَاب كَرَاهِيَةِ التَّطَاوُلِ عَلَى الرَّقِيقِ وَقَوْلِهِ عَبْدِي أَوْ أَمَتِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّئْ رَبَّكَ ، وَلْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلَايَ ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي ، وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي . ثَالِثُهَا : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمُحَمَّدٌ شَيْخُ الْمُؤَلِّفِ فِيهِ لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ إِلَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَبَّوَيْهِ فَقَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ وَكَذَا حَكَاهُ الْجَيَّانِيُّ عَنْ رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ ، وَحُكِيَ عَنِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ الذُّهْلِيُّ . قُلْتُ : وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ شَيْخَ الْبُخَارِيِّ فِيهِ ، فَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا ، وَكَلَامُ الطَّرْقِيِّ يُشِيرُ إِلَيْهِ .
قَوْلُهُ : ( لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ . . إِلَخْ ) هِيَ أَمْثِلَةٌ ، وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ دُونَ غَيْرِهَا لِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْمُخَاطَبَاتِ ، وَيَجُوزُ فِي أَلِفِ اسْقِ الْوَصْلُ وَالْقَطْعُ . وَفِيهِ نَهْيُ الْعَبْدِ أَنْ يَقُولَ لِسَيِّدِهِ : رَبِّي ، وكَذَلِكَ نَهْيُ غَيْرِهِ ، فَلَا يَقُولُ لَهُ أَحَدٌ : رَبُّكَ ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَقُولُ لِعَبْدِهِ : اسْقِ رَبَّكَ فَيَضَعُ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِنَفْسِهِ ، وَالسَّبَبُ فِي النَّهْيِ أَنَّ حَقِيقَةَ الرُّبُوبِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى ، لِأَنَّ الرَّبَّ هُوَ الْمَالِكُ وَالْقَائِمُ بِالشَّيْءِ ، فَلَا تُوجَدُ حَقِيقَةُ ذَلِكَ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : سَبَبُ الْمَنْعِ أَنَّ الْإِنْسَانَ مَرْبُوبٌ مُتَعَبِّدٌ بِإِخْلَاصِ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ وَتَرْكِ الْإِشْرَاكِ مَعَهُ ، فَكَرِهَ لَهُ الْمُضَاهَاةَ فِي الِاسْمِ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي مَعْنَى الشِّرْكِ ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ ، فَأَمَّا مَا لَا تَعَبُّدَ عَلَيْهِ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ فَلَا يُكْرَهُ إِطْلَاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِضَافَةِ كَقَوْلِهِ : رَبُّ الدَّارِ وَرَبُّ الثَّوْبِ ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِأَحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ : رَبٌّ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَهُ : إِلَهٌ ا هـ . وَالَّذِي يَخْتَصُّ بِاللَّهِ تَعَالَى إِطْلَاقُ الرَّبِّ بِلَا إِضَافَةٍ ، أَمَّا مَعَ الْإِضَافَةِ فَيَجُوزُ إِطْلَاقُهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ وَقَوْلِهِ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ : أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ فِي ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ ، وَمَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فَلِبَيَانِ الْجَوَازِ .
وَقِيلَ : هُوَ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَرُدُّ مَا فِي الْقُرْآنِ ، أَوِ الْمُرَادُ النَّهْيُ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنْ ذَلِكَ وَاتِّخَاذِ اسْتِعْمَالِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَادَةً ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ النَّهْيَ عَنْ ذِكْرِهَا فِي الْجُمْلَةِ . قَوْلُهُ : ( وَلْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلَايَ ) فِيهِ جَوَازُ إِطْلَاقُ الْعَبْدِ عَلَى مَالِكِهِ سَيِّدِي ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ : إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الرَّبِّ وَالسَّيِّدِ لِأَنَّ الرَّبَّ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى اتِّفَاقًا ، وَاخْتُلِفَ فِي السَّيِّدِ ، وَلَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى . فَإِنْ قُلْنَا : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَالْفَرْقُ وَاضِحٌ إِذْ لَا الْتِبَاسَ ، وَإِنْ قُلْنَا : إِنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ ، فَلَيْسَ فِي الشُّهْرَةِ وَالِاسْتِعْمَالِ كَلَفْظِ الرَّبِّ ، فَيَحْصُلُ الْفَرْقُ بِذَلِكَ أَيْضًا ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَأَحْمَدُ وَالْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : السَّيِّدُ اللَّهُ .
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا أَطْلَقَهُ لِأَنَّ مَرْجِعَ السِّيَادَةِ إِلَى مَعْنَى الرِّيَاسَةِ عَلَى مَنْ تَحْتَ يَدِهِ وَالسِّيَاسَةِ لَهُ وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ لِأَمْرِهِ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الزَّوْجُ سَيِّدًا ، قَالَ : وَأَمَّا الْمَوْلَى فَكَثِيرُ التَّصَرُّفِ فِي الْوُجُوهِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ وَلِيٍّ وَنَاصِرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ لَا يُقَالُ السَّيِّدُ وَلَا الْمَوْلَى عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ إِضَافَةٍ إِلَّا فِي صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى . وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ إِطْلَاقِ مَوْلَايَ أَيْضًا ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَحْوَهُ وَزَادَ : وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ مَوْلَايَ فَإِنَّ مَوْلَاكُمُ اللَّهُ ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ سَيِّدِي ، فَقَدْ بَيَّنَ مُسْلِمٌ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْأَعْمَشِ وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ حَذَفَهَا ، وَقَالَ عِيَاضٌ : حَذْفُهَا أَصَحُّ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْمَشْهُورُ حَذْفُهَا ، قَالَ : وَإِنَّمَا صِرْنَا إِلَى التَّرْجِيحِ لِلتَّعَارُضِ مَعَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ بِالتَّارِيخِ انْتَهَى .
وَمُقْتَضَى ظَاهِرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَنَّ إِطْلَاقَ السَّيِّدِ أَسْهَلُ مِنْ إِطْلَاقِ الْمَوْلَى ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُتَعَارَفِ ، فَإِنَّ الْمَوْلَى يُطْلَقُ عَلَى أَوْجُهٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْهَا الْأَسْفَلُ وَالْأَعْلَى ، وَالسَّيِّدُ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى الْأَعْلَى ، فَكَانَ إِطْلَاقُ الْمَوْلَى أَسْهَلَ وَأَقْرَبَ إِلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلَفْظِ الْمَوْلَى إِثْبَاتًا وَلَا نَفْيًا ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ وَالْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِلَفْظِ : لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَلَا أَمَتِي وَلَا يَقُلِ الْمَمْلُوكُ رَبِّي وَرَبَّتِي ، وَلَكِنْ لِيَقُلِ الْمَالِكُ : فَتَايَ وَفَتَاتِي ، وَالْمَمْلُوكُ : سَيِّدِي وَسَيِّدَتِي ، فَإِنَّكُمُ الْمَمْلُوكُونَ وَالرَّبُّ اللَّهُ تَعَالَى . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّهْيَ عَنِ الْإِطْلَاقِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ ، وَيُؤَيِّدُ كَلَامَهُ حَدِيثُ ابْنِ الشِّخِّيرِ الْمَذْكُورُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَعَنْ مَالِكٍ تَخْصِيصُ الْكَرَاهَةِ بِالنِّدَاءِ فَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ يَا سَيِّدِي ، وَلَا يُكْرَهُ فِي غَيْرِ النِّدَاءِ .
قَوْلُهُ : ( وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي ) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللَّهِ . وَنَحْوُ مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ ، فَأَرْشَدَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْعُبُودِيَّةِ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّهَا اللَّهُ تَعَالَى ، وَلِأَنَّ فِيهَا تَعْظِيمًا لَا يَلِيقُ بِالْمَخْلُوقِ اسْتِعْمَالُهُ لِنَفْسِهِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ كُلِّهِ رَاجِعٌ إِلَى الْبَرَاءَةِ مِنَ الْكِبْرِ وَالْتِزَامِ الذُّلِّ وَالْخُضُوعِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهُوَ الَّذِي يَلِيقُ بِالْمَرْبُوبِ .
قَوْلُهُ : ( وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ وَجَارِيَتِي ، فأرشد صلى الله عليه وسلم إِلَى مَا يُؤَدِّي الْمَعْنَى مَعَ السَّلَامَةِ مِنَ التَّعَاظُمِ ، لِأَنَّ لَفْظَ الْفَتَى وَالْغُلَامِ لَيْسَ دَالًّا عَلَى مَحْضِ الْمِلْكِ كَدَلَالَةِ الْعَبْدِ ، فَقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُ الْفَتَى فِي الْحُرِّ وَكَذَلِكَ الْغُلَامُ وَالْجَارِيَةُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ مَنِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى جِهَةِ التَّعَاظُمِ لَا مَنْ أَرَادَ التَّعْرِيفَ . انْتَهَى . وَمَحَلُّهُ مَا إِذَا لَمْ يَحْصُلِ التَّعْرِيفُ بِدُونِ ذَلِكَ اسْتِعْمَالًا لِلْأَدَبِ فِي اللَّفْظِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ .