حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الْهَدِيَّةِ لِلْمُشْرِكِين

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ : قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ : إن أمي قدمت وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُ أُمِّي ؟ قَالَ : نَعَمْ ، صِلِي أُمَّكِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ هِشَامٍ ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ الْآتِيَةِ فِي الْأَدَبِ أَخْبَرَنِي أَبِي . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ الْمَذْكُورَةِ أَخْبَرَتْنِي أَسْمَاءُ كَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ هِشَامٍ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ : عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَهُوَ خَطَأٌ .

قُلْتُ : حَكَى أَبُو نُعَيْمٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيَّ ، وَيَعْقُوبَ القارئ رَوَيَاهُ عَنْ هِشَامٍ كَذَلِكَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا مَحْفُوظَيْنِ ، وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ هِشَامٍ فَقَالَا : عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ هِشَامٍ ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ . قَالَ الْبَرْقَانِيُّ : وَهُوَ أَثْبَتُ اهـ . وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عُرْوَةَ عَنْ أُمِّهِ وَخَالَتِهِ ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : قَدِمَتْ قُتَيْلَةُ - بِالْقَافِ وَالْمُثَنَّاةِ مُصَغَّرَةٌ - بِنْتُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ سَعْدٍ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ حِسْلٍ - بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ - عَلَى ابْنَتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي الْهُدْنَةِ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ طَلَّقَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِهَدَايَا : زَبِيبٍ وَسَمْنٍ وَقَرَظٍ ; فَأَبَتْ أَسْمَاءُ أَنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَهَا أَوْ تُدْخِلَهَا بَيْتَهَا ، وَأَرْسَلَتْ إِلَى عَائِشَةَ : سَلِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : لِتُدْخِلْهَا الْحَدِيثَ ، وَعُرِفَ مِنْهُ تَسْمِيَةُ أُمِّ أَسْمَاءَ ، وَأَنَّهَا أُمُّهَا حَقِيقَةً ، وَأَنَّ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا أُمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ فَقَدْ وَهَمَ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ أَنَّ اسْمَهَا قَيْلَةُ ، وَرَأَيْتُهُ فِي نُسْخَةٍ مُجَرَّدَةٍ مِنْهُ بِسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ ، وَضَبَطَهُ ابْنُ مَاكُولَا بِسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ ، فَعَلَى هَذَا فَمَنْ قَالَ : قُتَيْلَةٌ صَغَّرَهَا ، قَالَ الزُّبَيْرُ : أُمُّ أَسْمَاءَ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ أَبِي بَكْرٍ قَيْلَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْعُزَّى ، وَسَاقَ نَسَبَهَا إِلَى حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، وَأَمَّا قَوْلُ الدَّاوُدِيِّ : إِنَّ اسْمَهَا أُمُّ بَكْرٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ التِّينِ : لَعَلَّهُ كُنْيَتُهَا .

قَوْلُهُ : ( قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي ) زَادَ اللَّيْثُ ، عَنْ هِشَامٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مَعَ ابْنِهَا وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ هِشَامٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْجِزْيَةِ ، وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ أَنَّ اسْمَ ابْنِهَا الْمَذْكُورِ الْحَارِثُ بْنُ مُدْرِكِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ ، وَلَمْ أَرَ لَهُ ذِكْرًا فِي الصَّحَابَةِ فَكَأَنَّهُ مَاتَ مُشْرِكًا ، وَذَكَرَ بَعْضُ شُيُوخِنَا أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَعَ أَبِيهَا بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ وَهُوَ تَصْحِيفٌ . قَوْلُهُ : ( وَهِيَ مُشْرِكَةٌ ) سَأَذْكُرُ مَا قِيلَ فِي إِسْلَامِهَا . قَوْلُهُ : ( فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَةِ حَاتِمٍ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَرَادَ بِذَلِكَ مَا بَيْنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالْفَتْحِ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْمَغَازِي .

قَوْلُهُ : ( فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَلْتُ : إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ ) فِي رِوَايَةِ حَاتِمٍ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ ، عَنْ هِشَامٍ رَاغِبَةً أَوْ رَاهِبَةً بِالشَّكِّ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ الْمَذْكُورِ رَاغِبَةً وَرَاهِبَةً ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ جَاءَتْنِي رَاغِبَةً وَرَاهِبَةً وَهُوَ يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الطَّبَرَانِيِّ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا قَدِمَتْ طَالِبَةً فِي بِرِّ ابْنَتِهَا لَهَا خَائِفَةً مِنْ رَدِّهَا إِيَّاهَا خَائِبَةً ; هَكَذَا فَسَّرَهُ الْجُمْهُورُ ، وَنَقَلَ الْمُسْتَغْفَرِيُّ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَوَّلَهُ فَقَالَ : وَهِيَ رَاغِبَةٌ فِي الْإِسْلَامِ فَذَكَرَهَا لِذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ ، وَرَدَّهُ أَبُو مُوسَى بِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِسْلَامِهَا ، وَقَوْلُهَا : رَاغِبَةً أَيْ فِي شَيْءٍ تَأْخُذُهُ وَهِيَ عَلَى شِرْكِهَا ، وَلِهَذَا اسْتَأْذَنَتْ أَسْمَاءُ فِي أَنْ تَصِلَهَا وَلَوْ كَانَتْ رَاغِبَةً فِي الْإِسْلَامِ لَمْ تَحْتَجْ إِلَى إِذْنٍ اهـ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ رَاغِبَةً عَنْ دِينِي أَوْ رَاغِبَةً فِي الْقُرْبِ مِنِّي وَمُجَاوَرَتِي وَالتَّوَدُّدِ إِلَيَّ ، لِأَنَّهَا ابْتَدَأَتْ أَسْمَاءَ بِالْهَدِيَّةِ الَّتِي أَحْضَرَتْهَا ، وَرَغِبَتْ مِنْهَا فِي الْمُكَافَأَةِ ، وَلَوْ حَمَلَ قَوْلَهُ : رَاغِبَةً أَيْ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يَسْتَلْزِمْ إِسْلَامَهَا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ رَاغِمَةً بِالْمِيمِ أَيْ كَارِهَةً لِلْإِسْلَامِ وَلَمْ تَقْدَمْ مُهَاجِرَةً ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : قِيلَ مَعْنَاهُ هَارِبَةً مِنْ قَوْمِهَا ، وَرَدَّهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ مُرَاغَمَةً ، قَالَ : وَكَانَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ يُفَسِّرُ قَوْلَهُ : مُرَاغَمًا بِالْخُرُوجِ عَنِ الْعَدُوِّ عَلَى رَغْمِ أَنْفِهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا كَذَلِكَ قَالَ وَرَاغِبَةً بِالْمُوَحَّدَةِ أَظْهَرُ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : ( صِلِي أُمَّكِ ) زَادَ فِي الْأَدَبِ عَقِبَ حَدِيثِهِ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ : قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا : لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَكَذَا وَقَعَ فِي آخِرِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَلَعَلَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ تَلَقَّاهُ مِنْهُ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا أَلْيَنَ شَيْءٍ جَانِبًا لِلْمُسْلِمِينَ وَأَحْسَنَهُ أَخْلَاقًا .

قُلْتُ : وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ السَّبَبَ خَاصٌّ وَاللَّفْظَ عَامٌّ فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ كَانَ فِي مَعْنَى وَالِدَةِ أَسْمَاءَ . وَقِيلَ : نَسَخَ ذَلِكَ آيَةُ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وُجِدُوا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ أَنَّ الرَّحِمَ الْكَافِرَةَ تُوصَلُ مِنَ الْمَالِ وَنَحْوِهِ كَمَا تُوصَلُ الْمُسْلِمَةُ ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ وُجُوبُ نَفَقَةِ الْأَبِ الْكَافِرِ وَالْأُمِّ الْكَافِرَةِ وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مُسْلِمًا ا هـ .

وَفِيهِ مُوَادَعَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ وَمُعَامَلَتُهُمْ فِي زَمَنِ الْهُدْنَةِ ، وَالسَّفَرُ فِي زِيَارَةِ الْقَرِيبِ ، وَتَحَرِّي أَسْمَاءَ فِي أَمْرِ دِينِهَا ، وَكَيْفَ لَا وَهِيَ بِنْتُ الصِّدِّيقِ وَزَوْجُ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث