بَاب مَا قِيلَ فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى
باب مَا قِيلَ فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهِيَ عُمْرَى ، جَعَلْتُهَا لَهُ ، وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا جَعَلَكُمْ عُمَّارًا 2625 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَى أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا قِيلَ فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى ) أَيْ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ ، ثَبَتَ لِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ بَسْمَلَةٌ قَبْلَ الْبَابِ ، وَالْعُمْرَى بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ مَعَ الْقَصْرِ ، وَحُكِيَ ضَمُّ الْمِيمِ مَعَ ضَمِّ أَوَّلِهِ ، وَحُكِيَ فَتْحُ أَوَّلِهِ مَعَ السُّكُونِ ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَمْرِ ، وَالرُّقْبَى بِوَزْنِهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمُرَاقَبَةِ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيُعْطِي الرَّجُلَ الدَّارَ وَيَقُولُ لَهُ : أَعْمَرْتُكَ إِيَّاهَا ، أَيْ أَبَحْتُهَا لَكَ مُدَّةَ عُمُرِكَ فَقِيلَ لَهَا عُمْرَى لِذَلِكَ ، وَكَذَا قِيلَ لَهَا رُقْبَى لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَتَى يَمُوتُ الْآخَرُ لِتَرْجِعَ إِلَيْهِ ، وَكَذَا وَرَثَتُهُ فَيَقُومُونَ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ ، هَذَا أَصْلُهَا لُغَةً . أَمَّا شَرْعًا فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْعُمْرَى إِذَا وَقَعَتْ كَانَتْ مِلْكًا لِلْآخِذِ ، وَلَا تَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ إِلَّا إِنْ صَرَّحَ بِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ .
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى صِحَّةِ الْعُمْرَى إِلَّا مَا حَكَاهُ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ وَالْمَاوَرْدِيُّ ، عَنْ دَاوُدَ وَطَائِفَةٍ ، لَكِنَّ ابْنَ حَزْمٍ قَالَ بِصِحَّتِهَا وَهُوَ شَيْخُ الظَّاهِرِيَّةِ . ثُمَّ اخْتَلَفُوا إِلَى مَا يَتَوَجَّهُ التَّمْلِيكُ ؟ فَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ إِلَى الرَّقَبَةِ كَسَائِرِ الْهِبَاتِ ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْمُعَمَّرُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ نَفَذَ بِخِلَافِ الْوَاهِبِ ، وَقِيلَ يَتَوَجَّهُ إِلَى الْمَنْفَعَةِ دُونَ الرَّقَبَةِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ . وَهَلْ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ الْعَارِيَّةِ أَوِ الْوَقْفِ ؟ رِوَايَتَانِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ التَّمْلِيكُ فِي الْعُمْرَى يَتَوَجَّهُ إِلَى الرَّقَبَةِ وَفِي الرُّقْبَى إِلَى الْمَنْفَعَةِ ، وَعَنْهُمْ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَعَمَرْتُهُ الدَّارَ فَهِيَ عُمْرَى جَعَلْتُهَا لَهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَصْلِهَا ، وَأَطْلَقَ الْجُعْلَ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّهَا تَصِيرُ مِلْكَ الْمَوْهُوبِ لَهُ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ ، وَلَا يَرَى أَنَّهَا عَارِيَّةٌ كَمَا سَيَأْتِي تَصْرِيحُهُ بِذَلِكَ فِي آخِرِ أَبْوَابِ الْهِبَةِ .
وَقَوْلُهُ : اسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا جَعَلَكُمْ عُمَّارًا هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ وَعَلَيْهِ يُعْتَمَدُ كَثِيرًا وَقَالَ غَيْرُهُ : اسْتَعْمَرَكُمْ أَطَالَ أَعْمَارَكُمْ ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَذِنَ لَكُمْ فِي عِمَارَتِهَا وَاسْتِخْرَاجِ قُوتِكُمْ مِنْهَا . قَوْلُهُ : ( عَنْ يَحْيَى ) هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ ، عَنْ يَحْيَى : حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ .
قَوْلُهُ : ( قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُمْرَى أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ ) هُوَ بِفَتْحِ أَنَّهَا أَيْ قَضَى بِأَنَّهَا ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ هَذَا لَفْظُهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَلَهُ نَحْوُهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْهُ : فَقَدْ قَطَعَ قَوْلُهُ حَقَّهُ فِيهَا وَهِيَ لِمَنْ أُعْمِرَ وَلِعَقِبِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ التَّعْلِيلَ الَّذِي فِي آخِرِهِ ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْهُ : إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقُولَ : هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ ، فَأَمَّا الَّذِي قَالَ : هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا قَالَ مَعْمَرٌ : كَانَ الزُّهْرِيُّ يُفْتِي بِهِ وَلَمْ يَذْكُرِ التَّعْلِيلَ أَيْضًا ، وَبَيَّنَ مَنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ التَّعْلِيلَ مِنْ قَوْلِ أَبِي سَلَمَةَ ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي كِتَابِ الْمُدْرَجِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : جَعَلَ الْأَنْصَارُ يُعْمِرُونَ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا ، فَإِنَّهُ مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ ، فَيَجْتَمِعُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَقُولَ : هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَلِعَقِبِهِ . ثَانِيهَا : أَنْ يَقُولَ : هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ فَإِذَا مِتَّ رَجَعَتْ إِلَيَّ فَهَذِهِ عَارِيَّةٌ مُؤَقَّتَةٌ وَهِيَ صَحِيحَةٌ ، فَإِذَا مَاتَ رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي أَعْطَى ، وَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ وَالَّتِي قَبْلَهَا رِوَايَةَ الزُّهْرِيِّ ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ لَا تَرْجِعُ إِلَى الْوَاهِبِ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ فَلغِيَ ، وَسَأَذْكُرُ الِاحْتِجَاجَ لِذَلِكَ آخِرَ الْبَابِ . ثَالِثُهَا : أَنْ يَقُولَ : أَعْمَرْتُكَهَا وَيُطْلِقُ ، فَرِوَايَةُ أَبِي الزُّبَيْرِ هَذِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْأَوَّلِ ، وَأَنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى الْوَاهِبِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَالْجُمْهُورِ ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : الْعَقْدُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ .
وَعَنْهُ كَقَوْلِ مَالِكٍ ، وَقِيلَ الْقَدِيمُ عَنِ الشَّافِعِيِّ كَالْجَدِيدِ . وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ أَنَّ قَتَادَةَ حَكَى أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ سَأَلَ الْفُقَهَاءَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي صُورَةَ الْإِطْلَاقِ فَذَكَرَ لَهُ قَتَادَةُ ، عَنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ ، وَذَكَرَ لَهُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِذَلِكَ ، قَالَ : وَذَكَرَ لَهُ عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ : فَقَالَ الزُّهْرِيُّ : إِنَّمَا الْعُمْرَى أَيِ الْجَائِزَةُ إِذَا أُعْمِرَ لَهُ وَلِعَقِبِهِ مِنْ بَعْدِهِ ، فَإِذَا لَمْ يَجْعَلْ عَقِبَهُ مِنْ بَعْدِهِ كَانَ لِلَّذِي يَجْعَلُ شَرْطَهُ . قَالَ قَتَادَةُ : وَاحْتَجَّ الزُّهْرِيُّ بِأَنَّ الْخُلَفَاءَ لَا يَقْضُونَ بِهَا فَقَالَ عَطَاءٌ : قَضَى بِهَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ .