بَاب مَنْ اسْتَعَارَ مِنْ النَّاسِ الْفَرَسَ وَالدَّابَّةَ وَغَيْرَهَ
باب مَنْ اسْتَعَارَ مِنْ النَّاسِ الْفَرَسَ 2627 - حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ : كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ الْمَنْدُوبُ ، فَرَكِبَه فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ : مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنِ اسْتَعَارَ مِنَ النَّاسِ الْفَرَسَ ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ عَنْ مَشَايِخِهِ وَالدَّابَّةَ وَزَادَ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَغَيْرَهَا وَثَبَتَ مِثْلُهُ لِابْنِ شَبَّوَيْهِ لَكِنْ قَالَ : وَغَيْرَهُمَا بِالتَّثْنِيَةِ وَذَكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِمَّنْ أَدْرَكْنَاهُ قَبْلَ الْبَابِ كِتَابُ الْعَارِيَّةِ وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ النُّسَخِ وَلَا الشُّرُوحِ ، وَالْبُخَارِيُّ أَضَافَ الْعَارِيَّةَ إِلَى الْهِبَةِ لِأَنَّهَا هِـبَةُ الْمَنَافِعِ . وَالْعَارِيَّةُ بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا ، وَحُكِيَ عَارَةً بِرَاءٍ خَفِيفَةٍ بِغَيْرِ تَحْتَانِيَّةٍ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : مَأْخُوذَةٌ مِنْ عَارَ إِذَا ذَهَبَ وَجَاءَ ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْعَيَّارُ ؛ لِأَنَّهُ يُكْثِرُ الذَّهَابَ وَالْمَجِيءَ ، وَقَالَ الْبَطَلْيُوسِيُّ : هِيَ مِنَ التَّعَاوُرِ وَهُوَ التَّنَاوُبُ ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْعَارِ ؛ لِأَنَّ طَلَبَهَا عَارٌ ، وَتُعُقِّبَ بِوُقُوعِهَا مِنَ الشَّارِعِ ، وَلَا عَارَ فِي فِعْلِهِ ، وَهَذَا التَّعَقُّبُ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ لَكِنَّهُ لَا يَرِدُ عَلَى نَاقِلِ اللُّغَةِ ، وَفِعْلُ الشَّارِعِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ .
وَهِيَ فِي الشَّرْعِ هِبَةُ الْمَنَافِعِ دُونَ الرَّقَبَةِ ، وَيَجُوزُ تَوْقِيتُهَا . وَحُكْمُ الْعَارِيَّةِ إِذَا تَلِفَتْ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ أَنْ يَضْمَنَهَا إِلَّا فِيمَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ ، هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ إِنْ لَمْ يَتَعَدَّ لَمْ يَضْمَنْ . وَفِي الْبَابِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ أَشْهَرُهَا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَقُولُ : الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ .
قُلْتُ : فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى التَّضْمِينِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا تَلِفَتِ الْأَمَانَةُ لَمْ يَلْزَمْ رَدُّهَا . نَعَمْ رَوَى الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ رَفَعَهُ عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ وَسَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَإِنْ ثَبَتَ فَفِيهِ حُجَّةٌ لِقَوْلِ الْجُمْهُورِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ ) أَيْ خَوْفٌ مِنْ عَدُوٍّ .
قَوْلُهُ : ( مِنْ أَبِي طَلْحَةَ ) هُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ زَوْجُ أُمِّ أَنَسٍ . قَوْلُهُ : ( يُقَالُ لَهُ الْمَنْدُوبُ ) قِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ مِنَ النَّدْبِ ، وَهُوَ الرَّهْنُ عِند السِّبَاقِ ، وَقِيلَ لِنَدْبٍ كَانَ فِي جِسْمِهِ وَهُوَ أَثَرُ الْجُرْحِ ، زَادَ فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ كَانَ يَقْطِفُ أَوْ كَانَ فِيهِ قِطَافٌ كَذَا فِيهِ بِالشَّكِّ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ بَطِيءَ الْمَشْيِ . قَوْلُهُ : ( وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا ) ، فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَإِنْ وَجَدْنَا بِحَذْفِ الضَّمِيرِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنْ هِيَ النَّافِيَةُ ، وَاللَّامُ فِي لَبَحْرًا بِمَعْنَى إِلَّا ، أَيْ مَا وَجَدْنَاهُ إِلَّا بَحْرًا قَالَ ابْنُ التِّينِ : هَذَا مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ ، وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ إِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ ، وَاللَّامُ زَائِدَةٌ كَذَا قَالَ .
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : يُقَالُ لِلْفَرَسِ بَحْرٌ إِذَا كَانَ وَاسِعَ الْجَرْيِ ، أَوْ لِأَنَّ جَرْيَهُ لَا يَنْفَذُ كَمَا لَا يَنْفَذُ الْبَحْرُ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ : وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارَى وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .