بَاب مَا قِيلَ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ : أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ ، قَالَ : فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا : لَيْتَهُ سَكَتَ . وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ : حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ .. . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ ، وَسَمَّاهُ فِي رِوَايَةِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْهُ فِي أَوَائِلِ الْأَدَبِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ ، لِلْعَبَّاسِ بْنِ فَرُّوخٍ الْجُرَيْرِيِّ لَكِنَّهُ إِذَا أَخْرَجَهُ عَنْهُ سَمَّاهُ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ) فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقَدْ عَلَّقَهَا الْمُصَنِّفُ آخِرَ الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ) هَذَا يُقَوِّي - إِنْ كَانَ الْمَجْلِسُ مُتَّحِدًا - أَحَدَ الْوَجْهَيْنِ مِمَّا شَكَّ فِيهِ شُعْبَةُ : هَلْ قَالَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً أَوْ لَمَّا سُئِلَ ؟ وَقَدْ نَظَمَ كُل مِنَ الْعُقُوقِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ بِالشِّرْكِ فِي آيَتَيْنِ . إِحْدَاهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ثَانِيهِمَا : قَوْلُهُ تَعَالَى : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ قَوْلُهُ : ( ثَلَاثًا ) أَيْ قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَكَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِيَنْتَبِهَ السَّامِعُ عَلَى إِحْضَارِ فَهْمِهِ ، وَوَهَمَ مَنْ قَالَ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ عَدَدُ الْكَبَائِرِ ، وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِي الْعِلْمِ مَنْ أَعَادَ الْحَدِيثَ ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عَنْهُ وَذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْلِيقًا .
قَوْلُهُ : ( الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ) يَحْتَمِلُ مُطْلَقَ الْكُفْرِ وَيَكُونُ تَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِغَلَبَتِهِ فِي الْوُجُودِ ، وَلَا سِيَّمَا فِي بِلَادِ الْعَرَبِ ، فَذَكَرَهُ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْرِهِ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ خُصُوصِيَّتُهُ ، إِلَّا أَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ قُبْحًا مِنَ الْإِشْرَاكِ وَهُوَ التَّعْطِيلُ ; لِأَنَّهُ نَفْيٌ مُطْلَقٌ وَالْإِشْرَاكُ إِثْبَاتٌ مُقَيَّدٌ ، فَيَتَرَجَّحُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ . قَوْلُهُ : ( وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْأَدَبِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَى الْكَبَائِرِ ، وَضَابِطِهَا وَبَيَانِ مَا قِيلَ فِي عَدَدِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَوْلُهُ : ( وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا ) يُشْعِرُ بِأَنَّهُ اهْتَمَّ بِذَلِكَ حَتَّى جَلَسَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُتَّكِئًا ، وَيُفِيدُ ذَلِكَ تَأْكِيدَ تَحْرِيمِهِ وَعِظَمَ قُبْحِهِ ، وَسَبَبُ الِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ كَوْنُ قَوْلِ الزُّورِ أَوْ شَهَادَةِ الزُّورِ أَسْهَلَ وُقُوعًا عَلَى النَّاسِ ، وَالتَّهَاوُنِ بِهَا أَكْثَرَ ، فَإِنَّ الْإِشْرَاكَ يَنْبُو عَنْهُ قَلْبُ الْمُسْلِمِ ، وَالْعُقُوقَ يَصْرِفُ عَنْهُ الطَّبْعُ ، وَأَمَّا الزُّورُ فَالْحَوَامِلُ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ كَالْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ وَغَيْرِهِمَا ، فَاحْتِيجَ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِتَعْظِيمِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِعِظَمِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ذُكِرَ مَعَهَا مِنَ الْإِشْرَاكِ قَطْعًا ، بَلْ لِكَوْنِ مَفْسَدَةِ الزُّورِ مُتَعَدِّيَةً إِلَى غَيْرِ الشَّاهِدِ ، بِخِلَافِ الشِّرْكِ فَإِنَّ مَفْسَدَتَهُ قَاصِرَةٌ غَالِبًا . قَوْلُهُ : ( أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ ) فِي رِوَايَةِ خَالِدٍ ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ شَهَادَةُ الزُّورِ أَوْ قَوْلُ الزُّورِ وَكَذَا وَقَعَ فِي الْعُمْدَةِ بِالْوَاوِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّأْكِيدِ ، فَإِنَّا لَوْ حَمَلْنَا الْقَوْلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَزِمَ أَنْ يكُونَ الْكِذْبَةُ الْوَاحِدَةُ مُطْلَقًا كَبِيرَةً ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ . قَالَ : وَلَا شَكَّ أَنَّ عِظَمَ الْكَذِبِ وَمَرَاتِبَهُ مُتَفَاوِتَةٌ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَفَاسِدِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾قَوْلُهُ : ( فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا : لَيْتَهُ سَكَتَ ) أَيْ شَفَقَةً عَلَيْهِ وَكَرَاهِيَةً لِمَا يُزْعِجُهُ .
وَفِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَدَبِ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمَحَبَّةِ لَهُ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ . وقَوْلُهُ : ( وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ) أَيِ ابْنُ عُلَيَّةَ ، وَرِوَايَتُهُ مَوْصُولَةٌ فِي كِتَابِ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ ، وَفِي الْحَدِيثِ انْقِسَامُ الذُّنُوبِ إِلَى كَبِيرٍ وَأَكْبَرَ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ ثُبُوتُ الصَّغَائِرِ ; لِأَنَّ الْكَبِيرَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا أَكْبَرُ مِنْهَا ; وَالِاخْتِلَافُ فِي ثُبُوتِ الصَّغَائِرِ مَشْهُورٌ ، وَأَكْثَرُ مَا تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ لَيْسَ فِي الذُّنُوبِ صَغِيرَةٌ كَوْنُهُ نَظَرَ إِلَى عِظَمِ الْمُخَالَفَةِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ ، فَالْمُخَالَفَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَلَالِ اللَّهِ كَبِيرَةٌ ، لَكِنْ لِمَنْ أَثْبَتَ الصَّغَائِرَ أَنْ يَقُولَ وَهِيَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فَوْقَهَا صَغِيرَةٌ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ ، وَقَدْ فُهِمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ مِنْ مَدَارِكِ الشَّرْعِ ، وَسَبَقَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ مَا يُكَفِّرُ الْخَطَايَا مَا لَمْ تَكُنْ كَبَائِرَ ، فَثَبَتَ بِهِ أَنَّ مِنَ الذُّنُوبِ مَا يُكَفَّرُ بِالطَّاعَاتِ ، وَمِنْهَا مَا لَا يُكَفَّرُ ، وَذَلِكَ هُوَ عَيْنُ الْمُدَّعَى ، وَلِهَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ : إِنْكَارُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ لَا يَلِيقُ بِالْفَقِيهِ . ثُمَّ إِنَّ مَرَاتِبَ كُلٍّ مِنَ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ مُخْتَلِفٌ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَفَاسِدِهَا .
وَفِي الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ شَهَادَةِ الزُّورِ ، وَفِي مَعْنَاهَا كُلُّ مَا كَانَ زُورًا مِنْ تَعَاطِي الْمَرْءِ مَا لَيْسَ لَهُ أَهْلًا .