بَاب إِذَا زَكَّى رَجُلٌ رَجُلًا كَفَاه
بَاب إِذَا زَكَّى رَجُلٌ رَجُلًا كَفَاهُ ، وَقَالَ أَبُو جَمِيلَةَ : وَجَدْتُ مَنْبُوذًا فَلَمَّا رَآنِي عُمَرُ قَالَ : عَسَى الْغُويرُ أَبْؤُسًا ، كَأَنَّهُ يَتَّهِمُنِي . قَالَ عَرِيفِي : إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ . قَالَ : كَذَلكَ ، اذْهَبْ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ .
2662 - حَدَّثَنَي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ، حدثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ : وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ ( مِرَارًا ) ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ : أَحْسِبُ فُلَانًا ، وَاللَّهُ حَسِيبُهُ ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا ، أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا . إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا زَكَّى رَجُلٌ رَجُلًا كَفَاهُ ) تَرْجَمَ فِي أَوَائِلِ الشَّهَادَاتِ تَعْدِيلُ كَمْ يَجُوزُ فَتَوَقَّفَ هُنَاكَ ، وَجَزَمَ هُنَا بِالِاكْتِفَاءِ بِالْوَاحِدِ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ تَوْجِيهَهُ هُنَاكَ . وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي التَّزْكِيَةِ ، فَالْمُرَجَّحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ - وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - اشْتِرَاطُ اثْنَيْنِ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَاسْتَثْنَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِطَانَةَ الْحَاكِمِ ; لِأَنَّهُ نَائِبُهُ فَيُنَزَّلُ قَوْلُهُ مَنْزِلَةَ الْحُكْمِ ، وَأَجَازَ الْأَكْثَرُ قَبُولَ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِنْ وَاحِدٍ ; لِأَنَّهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْحُكْمِ ، وَالْحُكْمُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : لَا يُقْبَلُ فِي التَّزْكِيَةِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ قَبِيصَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا فَيَشْهَدُونَ لَهُ ، قَالَ : وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ الْحَاجَةِ فَغَيْرُهَا أَوْلَى ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الشَّهَادَةِ ، أَمَّا الرِّوَايَةُ فَيُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْوَاحِدِ عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ نَاقِلًا عَنْ غَيْرِهِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَخْبَارِ وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحَاكِمِ وَلَا يَتَعَدَّدُ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو جَمِيلَةَ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمِيمِ ، وَاسْمُهُ سُنَيْنٌ بِمُهْمَلَةٍ وَنُونَيْنِ مُصَغَّرٌ ، وَوَهَمَ مَنْ شَدَّدَ التَّحْتَانِيَّةَ كَالدَّاوُدِيِّ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا رِوَايَةُ الْأَصِيلِيِّ ، قِيلَ اسْمُ أَبِيهِ فَرْقَدٌ ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : هُوَ سُلَمِيٌّ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : هُوَ ضَمْرِيٌّ ، وَقِيلَ : سَلِيطِيٌّ . وَقَدْ ذَكَرَهُ الْعِجْلِيُّ وَجَمَاعَةٌ فِي التَّابِعِينَ .
وَسَيَأْتِي فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مَا يَدُلُّ عَلَى صُحْبَتِهِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ آخَرُونَ فِي الصَّحَابَةِ ، وَوَقَعَ سِيَاقُ خَبَرِهِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا وَنَحْنُ مَعَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ أَدْرَكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَرَجَ مَعَهُ عَامَ الْفَتْحِ وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ حَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ ، وَهُوَ وَارِدٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَقَالَ إِنَّهُ مَجْهُولٌ كَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ نَحْوَ ذَلِكَ . وَفِي الرُّوَاةِ أَبُو جَمِيلَةَ آخَرُ اسْمُهُ مَيْسَرَةُ الطُّهَوِيُّ ، بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ ، وَهُوَ كُوفِيٌّ رَوَى عَنْ عُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ وَلَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ اتِّفَاقًا ، وَوَهَمَ مَنْ جَعَلَهُ صَاحِبَ هَذِهِ الْقِصَّةِ كَالْكَرْمَانِيِّ . قَوْلُهُ : ( وَجَدْتُ مَنْبُوذًا ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ أَيْ شَخْصًا مَنْبُوذًا أَيْ لَقِيطًا .
قَوْلُهُ : ( قَالَ عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا ) كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ . وَالْغُوَيْرُ بِالْمُعْجَمَةِ تَصْغِيرُ غَارٍ ، وَأَبْؤُسًا جَمْعُ بُؤْسٍ وَهُوَ الشِّدَّةُ ، وَانْتَصَبَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ عَسَى عِنْدَ مَنْ يُجِيزُهُ ، أَوْ بِإِضْمَارِ شَيْءٍ تَقْدِيرُهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا . وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمُغْنِي .
وَهُوَ مَثَلٌ مَشْهُورٌ يُقَالُ فِيمَا ظَاهِرُهُ السَّلَامَةُ وَيُخْشَى مِنْهُ الْعَطَبُ . وَرَوَى الْخَلَّالُ فِي عِلَلِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَتَمَثَّلُونَ بِهِ فِي ذَلِكَ كَثِيرًا ، وَأَصْلُهُ كَمَا قَالَ الْأَصْمَعِيُّ أَنَّ نَاسًا دَخَلُوا غَارًا يَبِيتُونَ فِيهِ فَانْهَارَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَهُمْ ، وَقِيلَ وَجَدُوا فِيهِ عَدُوًّا لَهُمْ فَقَتَلَهُمْ ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ فِي أَمْرٍ لَا يَعْرِفُ عَاقِبَتَهُ . وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ : الْغُوَيْرُ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ فِيهِ مَاءٌ لِبَنِي كَلْبٍ كَانَ فِيهِ نَاسٌ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ ، وَكَانَ مَنْ يَمُرُّ يَتَوَاصَوْنَ بِالْحِرَاسَةِ .
وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : ضَرَبَ عُمَرُ هَذَا الْمَثَلَ لِلرَّجُلِ يُعَرِّضُ بِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ وَلَدَهُ وَهُوَ يُرِيدُ نَفْيَهُ عَنْهُ بِدَعْوَاهُ أَنَّهُ الْتَقَطَهُ ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ كَأَنَّهُ يَتَّهِمُنِي . وَقِيلَ : أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ الزَّبَّاءُ - بِفَتْحِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَدِّ - لَمَّا قَتَلَتْ جُذَيْمَةَ الْأَبْرَشَ . وَأَرَادَ قَصِيرٌ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ - أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهَا .
فَتَوَاطَأَ قَصِيرٌ ، وَعَمْرٌو ابْنُ أُخْتِ جُذَيْمَةَ عَلَى أَنْ قَطَعَ عَمْرٌو أَنْفَ قَصِيرٍ فَأَظْهَرَ أَنَّهُ هَرَبَ مِنْهُ إِلَى الزَّبَّاءِ فَأَمِنَتْ إِلَيْهِ . ثُمَّ أَرْسَلَتْهُ تَاجِرًا فَرَجَعَ إِلَيْهَا يربْحٍ كَثِيرٍ مِرَارًا ، ثُمَّ رَجَعَ الْمَرَّةَ الْأَخِيرَةَ وَمَعَهُ الرِّجَالُ فِي الْأَعْدَالِ مَعَهُمُ السِّلَاحُ ، فَنَظَرَتْ إِلَى الْجَمَالِ تَمْشِي رُوَيْدًا لِثِقَلِ مَنْ عَلَيْهَا ، فَقَالَتْ : عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا أَيْ لَعَلَّ الشَّرَّ يَأْتِيكُمْ مِنْ قِبَلِ الْغُوَيْرِ ، وَكَأَنَّ قَصِيرًا أَعْلَمَهَا أَنَّهُ سَلَكَ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ طَرِيقَ الْغُوَيْرِ فَلَمَّا دَخَلَتِ الْأَجمَالُ قَصْرَهَا خَرَجَتِ الرِّجَالُ مِنَ الْأَعْدَالِ فَهَلَكَتْ . قَوْلُهُ : ( كَأَنَّهُ يَتَّهِمُنِي ) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ لَهُ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ نَفْيَ نَسَبِهِ عَنْهُ لِمَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي ، وَأَرَادَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَتَوَلَّى هُوَ تَرْبِيَتَهُ ، وَقِيلَ اتَّهَمَهُ بِأَنَّهُ زَنَى بِأُمِّهِ ثُمَّ ادَّعَاهُ وَهُوَ بَعِيدٌ وَمَا تَقَدَّمَ أَوْلَى .
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مَوْصُولَةً مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ وَأَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فَأَخَذَهُ ، قَالَ فَذَكَرَ ذَلِكَ عَرِيفِي لِعُمَرَ ، فَلَمَّا رَآنِي عُمَرُ قَالَ فَذَكَرَهُ وَزَادَ : مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ ؟ قُلْتُ : وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً . وَقَدْ أَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَيْضًا ، وَصَدْرُ هَذَا الْخَبَرِ سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَبَا جَمِيلَةَ هَذَا هُـوَ الطُّهَوِيُّ ; لِأَنَّ الطُّهَوِيَّ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عُمَرَ ، وَأَوْرَدَ ابْنُ الْأَثِيرِ ، عَنِ الْبُخَارِيِّ مَا ذَكَرْتُهُ عَنْهُ وَزَادَ فِيهِ وَأَنَّهُ الْتَقَطَ مَنْبُوذًا فَذَكَرَ الْقِصَّةَ ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ النُّسَخِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ لَهُ عَرِيفِي إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الْعَرِيفِ .
إِلَّا أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ ذَكَرَ فِي تَعْلِيقِهِ أَنَّ اسْمَهُ سِنَانٌ . وَفِي الصَّحَابَةِ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ : سِنَانٌ الضَّمْرِيُّ اسْتَخْلَفَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ مَرَّةً عَلَى الْمَدِينَةِ . فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ ذَا فَقَدْ قِيلَ : إِنَّ أَبَا جَمِيلَةَ ضَمْرِيٌّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : كَانَ عُمَرُ قَسَّمَ النَّاسَ وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ قَبِيلَةٍ عَرِيفًا يَنْظُرُ عَلَيْهِمْ . قُلْتُ : فَإِنْ كَانَ أَبُو جَمِيلَةَ سُلَمِيًّا فَيُنْظَرُ مَنْ كَانَ عَرِيفَ بَنِي سُلَيْمٍ فِي عَهْدِ عُمَرَ . قَوْلُهُ : ( قَالَ كَذَاكَ ) زَادَ مَالِكٌ فِي رِوَايَتِهِ وقَالَ نَعَمْ .
قَوْلُهُ : ( اذْهَبْ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فَقَالَ عُمَرُ : اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ ، وَلَكَ وَلَاؤُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا سَأَلَ فِي مَجْلِسِ نَظَرِهِ عَنْ أَحَدٍ فَإِنَّهُ يَجْتَزِئُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ كَمَا صَنَعَ عُمَرُ . فَأَمَّا إِذَا كَلَّفَ الْمَشْهُودَ لَهُ أَنْ يُعَدِّلَ شُهُودَهُ فَلَا يَقْبَلُ أَقَلَّ مِنِ اثْنَيْنِ .
قُلْتُ : غَايَتُهُ أَنَّهُ حَمَلَ الْقِصَّةَ عَلَى بَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهَا ، وَقِصَّةُ التَّكْلِيفِ تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ مِنْ خَارِجٍ ، وَفِيهَا جَوَازُ الِالْتِقَاطِ ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ ، وَأَنَّ نَفَقَتَهُ إِذَا لَمْ يُعْرَفْ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَأَنَّ وَلَاءَهُ لِمُلْتَقِطِهِ ، وَذَلِكَ مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدْ وَجَّهَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى قَوْلِهِ : لَكَ وَلَاؤُهُ بِكَوْنِهِ حِينَ الْتَقَطَهُ كَأَنَّهُ أَعْتَقَهُ مِنَ الْمَوْتِ أَوْ أَعْتَقَهُ مِنْ أَنْ يَلْتَقِطَهُ غَيْرُهُ وَيَدَّعِيَ أَنَّهُ مِلْكُهُ . ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ فِي الْمَطَالِعِ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا اتَّهَمَ أَبَا جَمِيلَةَ شَهِدَ لَهُ جَمَاعَةٌ بِالسَّتْرِ ا هـ ، وَلَيْسَ فِي قِصَّتِهِ أَنَّ الَّذِي شَهِدَ لَيْسَ إِلَّا عَرِيفَهُ وَحْدَهُ .
وَفِيهِ تَثَبُّتُ عُمَرَ فِي الْأَحْكَامِ ، وَأَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا تَوَقَّفَ فِي أَمْرِ أَحَدٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَادِحًا فِيهِ ، وَرُجُوعُ الْحَاكِمِ إِلَى قَوْلِ أُمَنَائِهِ . وَفِيهِ أَنَّ الثَّنَاءَ عَلَى الرَّجُلِ فِي وَجْهِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ لَا يُكْرَهُ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ الْإِطْنَابُ فِي ذَلِكَ ، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ عَقِبَ هَذَا بِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى الَّذِي سَاقَهُ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ فَقَالَ : مَا يُكْرَهُ مِنَ الْإِطْنَابِ فِي الْمَدْحِ وَوَجْهُ احْتِجَاجِهِ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَبَرَ تَزْكِيَةَ الرَّجُلِ إِذَا اقْتَصَدَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَعِبْ عَلَيْهِ إِلَّا الْإِسْرَافَ وَالتَّغَالِيَ فِي الْمَدْحِ ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ كَافٍ فِي قَبُولِ تَزْكِيَتِهِ ، وَأَمَّا اعْتِبَارُ النِّصَابِ فَمَسْكُوتٌ عَنْهُ ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ جَرَى عَلَى قَاعِدَتِهِ بِأَنَّ النِّصَابَ لَوْ كَانَ شَرْطًا لَذُكِرَ ، إِذْ لَا يُؤَخَّرُ الْبَيَانُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ . قَوْلُهُ : ( أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُفَسَّرَ الْمُثْنِي بِمِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ الْأَسْلَمِيِّ ، وَحَدِيثُهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَعِنْدَ إِسْحَاقَ فِيهِ زِيَادَةٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَدْ يُفَسَّرُ مِنْهَا الْمُثْنَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ذُو النِّجَادَيْنِ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ مَعَ تَمَامِ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .