بَاب بُلُوغِ الصِّبْيَانِ وَشَهَادَتِهِم
بَاب بُلُوغِ الصِّبْيَانِ وَشَهَادَتِهِمْ ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا وَقَالَ مُغِيرَةُ : احْتَلَمْتُ وَأَنَا ابْنُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَبُلُوغُ النِّسَاءِ إلى الْحَيْضِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ - إِلَى قَوْلِهِ - أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ : أَدْرَكْتُ جَارَةً لَنَا جَدَّةً بِنْتَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً 2664 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِعٌ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي ، ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَأَجَازَنِي ، قَالَ نَافِعٌ : فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ خَلِيفَةٌ فَحَدَّثْتُهُ الْحَدِيثَ ، فَقَالَ : إِنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ بُلُوغِ الصِّبْيَانِ وَشَهَادَتِهِمْ ) أَيْ حَدِّ بُلُوغِهِمْ وَحُكْمِ شَهَادَتِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَأَمَّا حَدُّ الْبُلُوغِ فَسَأَذْكُرُهُ ، وَأَمَّا شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ فَرَدَّهَا الْجُمْهُورُ ، وَاعْتَبَرَهَا مَالِكٌ فِي جِرَاحَاتِهِمْ بِشَرْطِ أَنْ يُضْبَطَ أَوَّلُ قَوْلِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا ، وَقَبِلَ الْجُمْهُورُ أَخْبَارَهُمْ إِذَا انْضَمَّتْ إِلَيْهَا قَرِينَةٌ ، وَقَدِ اعْتَرَضَ بِأَنَّهُ تَرْجَمَ بِشَهَادَتِهِمْ وَلَيْسَ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ مَا يُصَرِّحُ بِهَا ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مَنْ حُكِمَ بِبُلُوغِهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إِذَا اتَّصَفَ بِشَرْطِ الْقَبُولِ ، وَيُرْشِدُ إِلَيْهِ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : إِنَّهُ لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِبَلُوغِهِ الْحُلُمَ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الِاحْتِلَامَ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ يَلْزَمُ بِهِ الْعِبَادَاتُ وَالْحُدُودُ وَسَائِرُ الْأَحْكَامِ ، وَهُوَ إِنْزَالُ الْمَاءِ الدَّافِقِ سَوَاءٌ كَانَ بِجِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْيَقَظَةِ أَوِ الْمَنَامِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لَا أَثَرَ لِلْجِمَاعِ فِي الْمَنَامِ إِلَّا مَعَ الْإِنْزَالِ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُغِيرَةُ ) هُوَ ابْنُ مِقْسَمٍ الضَّبِّيُّ الْكُوفِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَأَنَا ابْنُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً ) جَاءَ مِثْلُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي السِّنِّ سِوَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً . قَوْلُهُ : ( وَبُلُوغُ النِّسَاءِ إِلَى الْحَيْضِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ - إِلَى قَوْلِهِ - أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ هُوَ بَقِيَّةٌ مِنَ التَّرْجَمَةِ ، وَوَجْهُ الِانْتِزَاعِ مِنَ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ فِي الْعِدَّةِ بِالْإقْرَاءِ عَلَى حُصُولِ الْحَيْضِ ، وَأَمَّا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ فَبِالْأَشْهُرِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ وُجُودَ الْحَيْضِ يَنْقُلُ الْحُكْمَ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَيْضَ بُلُوغٌ فِي حَقِّ النِّسَاءِ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ) هُوَ ابْنُ حَيٍّ الْهَمْدَانِيُّ الْفَقِيهُ الْكُوفِيُّ ، تَقَدَّمَ نَسَبُهُ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ ، وَأَثَرُهُ هَذَا رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي الْمُجَالَسَةِ لِلدَّيْنَوَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ عَنْهُ نَحْوُهُ وَزَادَ فِيهِ وَأَقَلُّ أَوْقَاتِ الْحَمْلِ تِسْعُ سِنِينَ ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا أَنَّهُ رَأَى جَدَّةً بِنْتَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً وَأَنَّهَا حَاضَتْ لِاسْتِكْمَالِ تِسْعٍ ، وَوَضَعَتْ بِنْتًا لِاسْتِكْمَالِ عَشْرٍ ، وَوَقَعَ لَبِنْتِهَا مِثْلُ ذَلِكَ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَقَلِّ سِنٍّ تَحِيضُ فِيهِ الْمَرْأَةُ وَيَحْتَلِمُ فِيهِ الرَّجُلُ ، وَهَلْ تَنْحَصِرُ الْعَلَامَاتُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ وَفِي السِّنِّ الَّذِي إِذَا جَاوَزَهُ الْغُلَامُ وَلَمْ يَحْتَلِمْ وَالْمَرْأَةُ وَلَمْ تَحِضْ يُحْكَمُ حِينَئِذٍ بِالْبُلُوغِ ، فَاعْتَبَرَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ الْإِثبَاتَ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا لَا يُقِيمُ بِهِ الْحَدَّ لِلشُّبْهَةِ ، وَاعْتَبَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْكَافِرِ ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الْمُسْلِمِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : سِنُّ الْبُلُوغِ تِسْعَ عَشْرَةَ أَوْ ثَمَانَي عَشْرَةَ لِلْغُلَامِ وَسَبْعَ عَشْرَةَ لِلْجَارِيَةِ ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ : حَدُّهُ فِيهِمَا سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ ثَمَانَ عَشْرَةَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَابْنُ وَهْبٍ وَالْجُمْهُورُ : حَدُّهُ فِيهِمَا اسْتِكْمَالُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ) كَذَا فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ عُبَيْدُ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ ، وَهُوَ أَبُو قُدَامَةَ السَّرَخْسِيُّ ، وَوَقَعَ بِخَطِّ ابْنِ الْعُكْلِيِّ الْحَافِظِ عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ فَأَخْرَجَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْخَثْعَمِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، ثُمَّ قَالَ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ . قُلْتُ : وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي قُدَامَةَ السَّرَخْسِيِّ فَقَالَ : عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ بَدَلَ أَبِي أُسَامَةَ ، فَهَذَا يُرَجِّحُ مَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ .
قَوْلُهُ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي ) فِيهِ الْتِفَاتٌ أَوْ تَجْرِيدٌ إِذْ كَانَ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ فَلَمْ يُجِزْهُ لَكِنَّهُ الْتَفَتَ ، أَوْ جَرَّدَ مِنْ نَفْسِهِ أَوَّلًا شَخْصًا فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَاضِي ، ثُمَّ الْتَفَتَ فَقَالَ : عَرَضَنِي ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي فَلَمْ يُجِزْهُ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : عَرَضَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْقِتَالِ فَلَمْ يُجِزْنِي . وَقَوْلُهُ : فَلَمْ يُجِزْنِي بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الْإِجَازَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِدْرِيسَ وَغَيْرِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَاسْتَصْغَرَنِي . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي ) لَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى ذِكْرِ أُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِيانَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَزَادَ فِيهِ ذِكْرَ بَدْرٍ ، وَلَفْظُهُ : عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ وَأَنَا ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ فَرَدَّنِي ، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ .
الْحَدِيثَ ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ : يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْخَنْدَقِ ابْنَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً ا هـ ، وَهُوَ أَقْدَمُ مَنْ نَعْرِفُهُ اسْتَشْكَلَ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ هَذَا ، وَإِنَّمَا بَنَاهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ الْخَنْدَقَ كَانَتْ فِي سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ شَهْرِهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أُحُدًا كَانَتْ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَاءَ مَا قَالَ يَزِيدُ أَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ ابْنَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً ، لَكِنَّ الْبُخَارِيَّ جَنَحَ إِلَى قَوْلِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي أَنَّ الْخَنْدَقَ كَانَتْ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ ، وَقَدْ رَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ نَحْوَ قَوْلِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، وَعَنْ مَالِكٍ الْجَزْمُ بِذَلِكَ ، وَعَلَى هَذَا لَا إِشْكَالَ ، لَكِنِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْمَغَازِي عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا تَوَجَّهُوا فِي أُحُدٍ نَادَوُا الْمُسْلِمِينَ : مَوْعِدُكُمُ الْعَامَ الْمُقْبِلَ بَدْرٌ ، وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَيْهَا مِنَ السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ فِي شَوَّالٍ فَلَمْ يَجِدْ بِهَا أَحَدًا ، وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي تُسَمَّى بَدْرَ الْمَوْعِدِ ، وَلَمْ يَقَعْ بِهَا قِتَالٌ ، فَتَعَيَّنَ مَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ إنَّ الْخَنْدَقَ كَانَتْ فِي سَنَةِ خَمْسٍ ، فَيَحْتَاجُ حِينَئِذٍ إِلَى الْجَوَابِ عَنِ الْإِشْكَالِ ، وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ : عُرِضْتُ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ أَيْ دَخَلْتُ فِيهَا ، وَأَنَّ قَوْلَهُ : عُرِضْتُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ أَيْ تَجَاوَزْتُهَا فَأَلْغَى الْكَسْرَ فِي الْأُولَى وَجَبَرَهُ فِي الثَّانِيَةِ ، وَهُوَ شَائِعٌ مَسْمُوعٌ فِي كَلَامِهِمْ ، وَبِهِ يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ الْمَذْكُورُ ، وَهُوَ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( تَنْبِيهَانِ ) : الْأَوَّلُ زَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ عَرْضَ ابْنِ عُمَرَ كَانَ بِبَدْرٍ فَلَمْ يُجِزْهُ ثُمَّ بِأُحُدٍ فَأَجَازَهُ ، قَالَ : وَفِي رِوَايَةٍ عُرِضَ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ فَلَمْ يُجِزْهُ وَعُرِضَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَهُ ، وَلَا وُجُودَ لِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا وُجِدَ مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ عَنِ ابْنِ سَعْدٍ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ ، وَأَبُو مَعْشَرٍ مَعَ ضَعْفِهِ لَا يُخَالِفُ مَا زَادَهُ مِنْ ذِكْرِ بَدْرٍ مَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ بَلْ يُوَافِقُهُمْ . الثَّانِي زَعَمَ ابْنُ نَاصِرٍ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْجَمْعِ لِلْحُمَيْدِيِّ هُنَا يَوْمَ الْفَتْحِ بَدَلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ، قَالَ ابْنُ نَاصِرٍ : وَالسَّابِقُ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَوْ خَلَفٌ فَتَبِعَهُ شَيْخُنَا وَلَمْ يَتَدَبَّرْهُ ، وَالصَّوَابُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ ، وَتَلَقَّى ذَلِكَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ، عَنِ ابْنِ نَاصِرٍ وَبَالَغَ فِي التَّشْنِيعِ عَلَى مَنْ وَهَمَ فِي ذَلِكَ ، وَكَانَ الْأَوْلَى تَرْكُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْغَلَطَ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ كَثِيرًا أَحَدٌ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ نَافِعٌ : فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ هَذَا الَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فَقَالَ : هَذَا حَدُّ مَا بَيْنَ الذُّرِّيَّةِ وَالْمُقَاتِلَةِ . قَوْلُهُ : ( وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ ) ، زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ : وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَاجْعَلُوهُ فِي الْعِيَالِ ، وَقَوْلُهُ : أَنْ يَفْرِضُوا أَيْ يُقَدِّرُوا لَهُمْ رِزْقًا فِي دِيوَانِ الْجُنْدِ .
وَكَانُوا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمُقَاتِلَةِ وَغَيْرِهِمْ فِي الْعَطَاءِ ، وَهُوَ الرِّزْقُ الَّذِي يُجْمَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَيُفَرَّقُ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ . وَاسْتُدِلَّ بِقِصَّةِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْبَالِغِينَ وَإِنْ لَمْ يَحْتَلِمْ ، فَيُكَلَّفُ بِالْعِبَادَاتِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ ، وَيَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْغَنِيمَةِ ، وَيُقْتَلُ إِنْ كَانَ حَرْبِيًّا ، وَيُفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ إِنْ أُونِسَ رُشْدُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ . وَقَدْ عَمِلَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ نَافِعٍ .
وَأَجَابَ الطَّحَاوِيُّ ، وَابْنُ الْقَصَّارِ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ بِأَنَّ الْإِجَازَةَ الْمَذْكُورَةَ جَاءَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي الْقِتَالِ ، وَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالْقُوَّةِ وَالْجَلَدِ . وَأَجَابَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ فَلَا عُمُومَ لَهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صَادَفَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ تِلْكَ السِّنِّ قَدِ احْتَلَمَ فَلِذَلِكَ أَجَازَهُ . وَتَجَاسَرَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ : إِنَّمَا رَدَّهُ لِضَعْفِهِ لَا لِسِنِّهِ ، وَإِنَّمَا أَجَازَهُ لِقُوَّتِهِ لَا لِبُلُوغِهِ .
وَيَرِدُ عَلَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ : عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَلَمْ يُجِزْنِي وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ ، وَهِيَ زِيَادَةٌ صَحِيحَةٌ لَا مَطْعَنَ فِيهَا ، لِجَلَالَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَتَقَدُّمِهُ عَلَى غَيْرِهِ فِي حَدِيثِ نَافِعٍ ، وَقَدْ صَرَّحَ فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ فَانْتَفَى مَا يُخْشَى مِنْ تَدْلِيسِهِ ، وَقَدْ نَصَّ فِيهَا لَفْظُ ابْنِ عُمَرَ بِقَوْلِهِ : وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ وَابْنُ عُمَرَ أَعْلَمُ بِمَا رَوَى مِنْ غَيْرِهِ ، وَلَا سِيَّمَا فِي قِصَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِمَامَ يَسْتَعْرِضُ مَنْ يَخْرُجُ مَعَهُ لِلْقِتَالِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ الْحَرْبُ ، فَمَنْ وَجَدَهُ أَهْلًا اسْتَصْحَبَهُ وَإِلَّا رَدَّهُ ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ لَا تَتَوَقَّفُ الْإِجَازَةُ لِلْقِتَالِ عَلَى الْبُلُوغِ ، بَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يُجِيزَ مِنَ الصِّبْيَانِ مَنْ فِيهِ قُوَّةٌ وَنَجْدَةٌ ، فَرُبَّ مُرَاهِقٍ أَقْوَى مِنْ بَالِغٍ .
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وَلَا سِيَّمَا الزِّيَادَةُ الَّتِي ذَكَرْتُهَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( تَنْبِيهٌ ) : ظَاهِرُ التَّرْجَمَةِ مَعَ سِيَاقِ الْآيَةِ أَنَّ الْوَلَدَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ صَبِيٌّ وَطِفْلٌ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ وَهُوَ كَذَلِكَ ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَجَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْوَلَدَ يُقَالُ لَهُ جَنِينٌ حَتَّى يُوضَعَ ، ثُمَّ صَبِيٌّ حَتَّى يُفْطَمَ ، ثُمَّ غُلَامٌ إِلَى سَبْعٍ ثُمَّ يَافِعٌ إِلَى عَشْرٍ ، ثُمَّ حَزَوَّرٌ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ ، ثُمَّ قُمُدٌّ إِلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، ثُمَّ عَنَطْنَطٌ إِلَى ثَلَاثِينَ ، ثُمَّ مُمْلٍ إِلَى أَرْبَعِينَ ، ثُمَّ كَهْلٌ إِلَى خَمْسِينَ ، ثُمَّ شَيْخٌ إِلَى ثَمَانِينَ ، ثُمَّ هَرِمٌ إِذَا زَادَ ، فَلَا يُمْنَعُ إِطْلَاقُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا يُقَارِبُهُ تَجَوُّزًا .