بَاب مَنْ أَمَرَ بِإِنْجَازِ الْوَعْد
حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : سَأَلَنِي يَهُودِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ : أَيَّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ؟ قُلْتُ : لَا أَدْرِي حَتَّى أَقْدَمَ عَلَى حَبْرِ الْعَرَبِ فَأَسْأَلَهُ . فَقَدِمْتُ فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : قَضَى أَكْثَرَهُمَا وَأَطْيَبَهُمَا ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَالَ فَعَلَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ ) هُوَ ابْنُ عَجْلَانَ الْجَزَرِيِّ ، شَامِيٌّ ثِقَةٌ ، لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ فِي الطِّبِّ ، وَكَذَا الرَّاوِي عَنْهُ مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ ، وَقَدْ تَابَعَ سَالِمًا عَلَى رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ حَكِيمُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَتَابَعَ سَعِيدًا ، عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرَوَاهُ أَيْضًا أَبُو ذَرٍّ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعُتْبَةُ بْنُ النُّذَّرِ بِضَمِّ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ ، وَجَابِرٌ ، وَأَبُو سَعِيدٍ ، وَرَفَعُوهُ كُلُّهُمْ ، وَجَمِيعُهَا عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ ، وَحَدِيثُ عُتْبَةَ ، وَأَبِي ذَرٍّ عِنْدَ الْبَزَّارِ أَيْضًا ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ ، وَرِوَايَةُ عِكْرِمَةَ فِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ .
قَوْلُهُ : ( سَأَلَنِي يَهُودِيٌّ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، وَالْحِيرَةُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ بَلَدٌ مَعْرُوفٌ بِالْعِرَاقِ . قَوْلُهُ : ( أَيَّ الْأَجَلَيْنِ ) أَيِ الْمُشَارِ إِلَيْهِمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ قَوْلُهُ : ( حَبْرِ الْعَرَبِ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَبِكَسْرِهَا وَرَجَّحَهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَرَجَّحَ ابْنُ قُتَيْبَةَ الْفَتْحَ وَسُكُونَ الْمُوَحَّدَةِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْعَالِمُ الْمَاهِرُ ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِهِ سَعِيدٌ لِكَوْنِهَا مُسْتَعْمَلَةً عِنْدَ الَّذِي خَاطَبَهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا أَنَّ جِبْرِيلَ سَمَّاهُ بِذَلِكَ ، وَمُرَادُهُ بِالْقُدُومِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْ بِمَكَّةَ . قَوْلُهُ : ( قَضَى أَكْثَرَهُمَا وَأَطْيَبَهُمَا ) كَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مَوْقُوفًا ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ .
وَذَكَرَ ابْنُ دُرَيْدٍ فِي الْمَنْثُورِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ لَمَّا غَزَا الْمَغْرِبَ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، جُرَيْجًا فَكَلَّمَهُ فَقَالَ : مَا يَنْبَغِي لِهَذَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَبْرَ الْعَرَبِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ جِبْرِيلَ : أَيَّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ؟ قَالَ : أَتَمَّهُمَا وَأَكْمَلَهُمَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَوْفَاهُمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَتَمَّهُمَا وَأَطْيَبَهُمَا عَشْرَ سِنِينَ وَالْمُرَادُ بِالْأَطْيَبِ أَيْ فِي نَفْسِ شُعَيْبٍ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَالَ فَعَلَ ) الْمُرَادُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ وَلَمْ يُرِدْ شَخْصًا بِعَيْنِهِ . وَفِي رِوَايَةِ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا وَعَدَ لَمْ يُخْلِفْ زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ قَالَ سَعِيدٌ : فَلَقِيَنِي الْيَهُودِيُّ فَأَعْلَمْتُهُ بِذَلِكَ ، فَقَالَ : صَاحِبُكَ وَاللَّهِ عَالِمٌ وَالْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ بَيَانُ تَوْكِيدِ الْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ ، لِأَنَّ مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَجْزِمْ بِوَفَاءِ الْعَشْرِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَوَفَّاهَا فَكَيْفَ لَوْ جَزَمَ .
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : لَمَّا رَأَى مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - طَمَعَ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُتَعَلِّقًا بِالزِّيَادَةِ لَمْ يَقْتَضِ كَرِيمُ أَخْلَاقِهِ أَنْ يُخَيِّبَ ظَنَّهُ فِيهِ .