حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الْقُرْعَةِ فِي الْمُشْكِلَات

بَاب الْقُرْعَةِ فِي الْمُشْكِلَاتِ ، وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : اقْتَرَعُوا فَجَرَتْ الْأَقْلَامُ مَعَ الْجِرْيَةِ ، وَعَالَ قَلَمُ زَكَرِيَّاءَ الْجِرْيَةَ فَكَفَلَهَا زكَرِيَّاءُ ، وَقَوْلِهِ : فَسَاهَمَ أَقْرَعَ ، فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ مِنْ الْمَسْهُومِينَ ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : عَرَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا ، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهِمَ بَيْنَهُمْ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ 2686 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ : حَدَّثَنِي الشَّعْبِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَثَلُ الْمُدْهِنِ فِي حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا مَثَلُ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا سَفِينَةً ، فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْلَاهَا ، فَكَانَ الَّذِين فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّونَ بِالْمَاءِ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا ، فَتَأَذَّوْا بِهِ ، فَأَخَذَ فَأْسًا فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا : مَا لَكَ ؟ قَالَ : تَأَذَّيْتُمْ بِي وَلَا بُدَّ لِي مِنْ الْمَاءِ ، فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ ، وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْقُرْعَةِ فِي الْمُشْكِلَاتِ ) أَيْ مَشْرُوعِيَّتِهَا ، وَوَجْهُ إِدْخَالِهَا فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ أَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْبَيِّنَاتِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا الْحُقُوقُ ، فَكَمَا تُقْطَعُ الْخُصُومَةُ وَالنِّزَاعُ بِالْبَيِّنَةِ كَذَلِكَ تُقْطَعُ بِالْقُرْعَةِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ وَحْدَهُ مِنَ الْمُشْكِلَاتِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْضَحُ ، وَلَيْسَتْ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الْقُرْعَةِ مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْقَوْلِ بِهَا فِي الْجُمْلَةِ ، وَأَنْكَرَهَا بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلَ بِهَا ، وَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ ضَابِطَهَا الْأَمْرَ الْمُشْكِلَ ، وَفَسَّرَهَا غَيْرُهُ بِمَا ثَبَتَ فِيهِ الْحَقُّ لِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ وَتَقَعُ الْمُشَاحَحَةُ فِيهِ فَيُقْرَعُ لِفَصْلِ النِّزَاعِ ، وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي : لَيْسَ فِي الْقُرْعَةِ إِبْطَالُ الشَّيْءِ مِنَ الْحَقِّ كَمَا زَعَمَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ ، بَلْ إِذَا وَجَبَتِ الْقِسْمَةُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُعَدِّلُوا ذَلِكَ بِالْقِيمَةِ ثُمَّ يَقْتَرِعُوا فَيَصِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا وَقَعَ لَهُ بِالْقُرْعَةِ مُجْتَمِعًا مِمَّا كَانَ لَهُ فِي الْمِلْكِ متاعًا فَيُضَمُّ فِي مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِالْعِوَضِ الَّذِي صَارَ لِشَرِيكِهِ لِأَنَّ مَقَادِيرَ ذَلِكَ قَدْ عُدِّلَتْ بِالْقِيمَةِ .

وَإِنَّمَا أَفَادَتِ الْقُرْعَةُ أَنْ لَا يَخْتَارَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا مُعَيَّنًا فَيَخْتَارَهُ الْآخَرُ ، فَيُقْطَعُ التَّنَازُعَ ، وَهِيَ إِمَّا فِي الْحُقُوقِ الْمُتَسَاوِيَةِ وَإِمَّا فِي تَعْيِينِ الْمِلْكِ ، فَمِنَ الْأَوَّلِ عَقْدُ الْخِلَافَةِ إِذَا اسْتَوَوْا فِي صِفَةِ الْإِمَامَةِ ، وَكَذَا بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي الصَّلَوَاتِ وَالْمُؤَذِّنِينَ ، وَالْأَقَارِبِ فِي تَغْسِيلِ الْمَوْتَى وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ ، وَالْحَاضِنَاتِ إِذَا كُنَّ فِي دَرَجَةٍ ، وَالْأَوْلِيَاءِ فِي التَّزْوِيجِ ، وَالِاسْتِبَاقِ إِلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، وَفِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ ، وَفِي نَقْلِ الْمَعْدِنِ ، وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ ، وَالتَّقْدِيمِ بِالدَّعْوَى عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَالتَّزَاحُمِ عَلَى أَخْذِ اللَّقِيطِ ، وَالنُّزُولِ فِي الْخَانِ الْمُسَبَّلِ وَنَحْوِهِ ، وَفِي السَّفَرِ بِبَعْضِ الزَّوْجَاتِ وَفِي ابْتِدَاءِ الْقَسْمِ ، وَالدُّخُولِ فِي ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ ، وَفِي الْإِقْرَاعِ بَيْنَ الْعَبِيدِ إِذَا أُوصِيَ بِعِتْقِهِمْ وَلَمْ يَسَعْهُمُ الثُّلُثُ ، وَهَذِهِ الْأَخِيرَةُ مِنْ صُوَرِ الْقِسْمِ الثَّانِي أَيْضًا وَهُوَ تَعْيِينُ الْمِلْكِ ، وَمِنْ صُوَرِ تَعْيِينِ الْمِلْكِ الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ عِنْدَ تَعْدِيلِ السِّهَامِ فِي الْقِسْمَةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الِاحْتِجَاجِ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ بِالْقُرْعَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا وَرَدَ فِي شَرْعِنَا تَقْرِيرُهُ ، وَسَاقَهُ مَسَاقَ الِاسْتِحْسَانِ وَالثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ ، وَهَذَا مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَخْ ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِمَعْنَاهُ .

وَقَوْلُهُ : ( وَعَالَ قَلَمُ زَكَرِيَّا ) أَيِ ارْتَفَعَ عَلَى الْمَاءِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَعَلَا وَفِي نُسْخَةٍ وَعَدَا بِالدَّالِ . وَ الْجِرْيَةِ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُمُ اقْتَرَعُوا عَلَى كَفَالَةِ مَرْيَمَ أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا ، فَأَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَلَمًا وَأَلْقَوْهَا كُلَّهَا فِي الْمَاءِ ، فَجَرَتْ أَقْلَامُ الْجَمِيعِ مَعَ الْجِرْيَةِ إِلَى أَسْفَلَ وَارْتَفَعَ قَلَمُ زَكَرِيَّا فَأَخَذَهَا . وَأَخْرَجَ ابْنُ الْعَدِيمِ فِي تَارِيخِ حَلَبَ بِسَنَدِهِ إِلَى شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّهَرَ الَّذِي أَلْقَوْا فِيهِ الْأَقْلَامَ هُوَ نَهَرُ قُوَيْقٍ ، النَّهَرُ الْمَشْهُورُ بِحَلَبَ .

قَوْلُهُ : ( وَقَوْلِهِ ) أَيْ وَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . قَوْلُهُ : فَسَاهَمَ أَقْرَعَ ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ، وَرُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : قَوْلُهُ : فَسَاهَمَ أَيْ قَارَعَ وَهُوَ أَوْضَحُ . قَوْلُهُ : فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ مِنَ الْمَسْهُومِينَ ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ فَكَانَ مِنَ الْمَقْرُوعِينَ .

وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيْحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ فَكَانَ مِنَ الْمَسْهُومِينَ وَالِاحْتِجَاجُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي إِثْبَاتِ الْقُرْعَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا ، وَهُوَ كَذَلِكَ مَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي شَرْعِهِمْ جَوَازُ إِلْقَاءِ الْبَعْضِ لِسَلَامَةِ الْبَعْضِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي شَرْعِنَا لِأَنَّهُمْ مُسْتَوُونَ فِي عِصْمَةِ الْأَنْفُسِ فَلَا يَجُوزُ إِلْقَاؤُهُمْ بِقُرْعَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : عَرَضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَخْ ) وَصَلَهُ قَبْلُ بِأَبْوَابٍ ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ إِذَا تَسَارَعَ قَوْمٌ فِي الْيَمِينِ وَهُوَ حُجَّةٌ فِي الْعَمَلِ بِالْقُرْعَةِ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَيْضًا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث