حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب لَيْسَ الْكَاذِبُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاس

بَاب لَيْسَ الْكَاذِبُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ 2692 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُمَّهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ لَيْسَ الْكَاذِبُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ ) تَرْجَمَ بِلَفْظِ الْكَاذِبُ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ الْكَذَّابِ وَاللَّفْظُ الَّذِي تَرْجَمَ بِهِ لَفْظُ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَكَانَ حَقُّ السِّيَاقِ أَنْ يَقُولَ : لَيْسَ مَنْ يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ كَاذِبًا ، لَكِنَّهُ وَرَدَ عَلَى طَرِيقِ الْقَلْبِ وَهُوَ سَائِغٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ صَالِحٍ ) هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ ، وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ ، وَأُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ أَيِ ابْنِ أَبِي مُعَيْطٍ الْأُمَوِيَّةُ .

قَوْلُهُ : ( فَيَنْمِي ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ يُبَلِّغُ ، تَقُولُ نَمَيْتُ الْحَدِيثَ أَنْمِيهِ إِذَا بَلَّغْتُهُ عَلَى وَجْهِ الْإِصْلَاحِ وَطَلَبِ الْخَيْرِ ، فَإِذَا بَلَّغْتَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِفْسَادِ وَالنَّمِيمَةِ قُلْتَ : نَمَّيْتُهُ بِالتَّشْدِيدِ كَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ ، وَادَّعَى الْحَرْبِيُّ أَنَّهُ لَا يُقَالُ إِلَّا نَمَّيْتُهُ بِالتَّشْدِيدِ ، قَالَ : وَلَوْ كَانَ يَنْمِي بِالتَّخْفِيفِ لَلَزِمَ أَنْ يَقُولَ : خَيْرٌ بِالرَّفْعِ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ بِأَنَّ خَيْرًا انْتَصَبَ بِيَنَمِي كَمَا يَنْتَصِبُ بِقَالَ ، وَهُوَ وَاضِحٌ جِدًّا يُسْتَغْرَبُ مِنْ خَفَاءِ مِثْلِهِ عَلَى الْحَرْبِيِّ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ يُنْمِي بِضَمِّ أَوَّلِهِ ، وَحَكَى ابْنُ قُرْقُولٍ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ الدَّبَّاغِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِالْهَاءِ بَدَلَ الْمِيمِ قَالَ : وَهُوَ تَصْحِيفٌ ، وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلَى مَعْنَى يُوصِلُ ، نقُولُ : أَنْهَيْتُ إِلَيْهِ كَذَا إِذَا أَوْصَلْتَهُ . قَوْلُهُ : ( أَوْ يَقُولُ خَيْرًا ) وهُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْمُرَادُ هُنَا أَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا عَلِمَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَيَسْكُتُ عَمَّا عَلِمَهُ مِنَ الشَّرِّ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ كَذِبًا ؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ الْإِخْبَارُ بِالشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُـوَ بِهِ ، وَهَذَا سَاكِتٌ ، وَلَا يُنْسَبُ لِسَاكِتٍ قَوْلٌ .

وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ قَالَ : يُشْتَرَطُ فِي الْكَذِبِ الْقَصْدُ إِلَيْهِ لِأَنَّ هَذَا سَاكِتٌ ، وَمَا زَادَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ فِي آخِرِهِ : وَلَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ : إِنَّهُ كَذِبٌ ، إِلَّا فِي ثَلَاثٍ فَذَكَرَهَا ، وَهِيَ : الْحَرْبُ ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ . وَأَوْرَدَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا هَـذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مُدْرَجَةٌ ، بَيَّنَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ : وَقَالَ الزُّهْرِيُّ . وَكَذَا أَخْرَجَهَا النسائي مُفْرَدَةً مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ وَقَالَ : يُونُسُ أَثْبَتُ فِي الزُّهْرِيِّ مِنْ غَيْرِهِ ، وَجَزَمَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ وَغَيْرُهُ بِإِدْرَاجِهَا ، وَرُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ ابْنِ أَبِي مَيْسَرَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَسَاقَهُ بِسَنَدِهِ مُقْتَصِرًا عَلَى الزِّيَادَةِ وَهُوَ وَهَمٌ شَدِيدٌ ، قَالَ الطَّبَرِيُّ : ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى جَوَازِ الْكَذِبِ لِقَصْدِ الْإِصْلَاحِ وَقَالُوا : إِنَّ الثَّلَاثَ الْمَذْكُورَةَ كَالْمِثَالِ ، وَقَالُوا : الْكَذِبُ الْمَذْمُومُ إِنَّمَا هُـوَ فِيمَا فِيهِ مَضَرَّةٌ ، أَوْ مَا لَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ .

وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَجُوزُ الْكَذِبُ فِي شَيْءٍ مُطْلَقًا ، وَحَمَلُوا الْكَذِبَ الْمُرَادَ هُنَا عَلَى التَّوْرِيَةِ وَالتَّعْرِيضِ كَمَنْ يَقُولُ لِلظَّالِمِ : دَعَوْتُ لَكَ أَمْسِ ، وَهُوَ يُرِيدُ قَوْلَهُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ . وَيَعِدُ امْرَأَتَهُ بِعَطِيَّةِ شَيْءٍ وَيُرِيدُ إِنْ قَدَّرَ اللَّهُ ذَلِكَ . وَأَنْ يُظْهِرَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً .

قُلْتُ : وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَبِالثَّانِي جَزَمَ الْمُهَلَّبُ ، وَالْأَصِيلِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ مَزِيدٌ لِهَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَذِبِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ إِنَّمَا هُـوَ فِيمَا لَا يُسْقِطُ حَقًّا عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا أَوْ أَخْذُ مَا لَيْسَ لَهُ أَوْ لَهَا ، وَكَذَا فِي الْحَرْبِ فِي غَيْرِ التَّأْمِينِ . وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْكَذِبِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ ، كَمَا لَوْ قَصَدَ ظَالِمٌ قَتْلَ رَجُلٍ وَهُوَ مُخْتَفٍ عِنْدَهُ فَلَهُ أَنْ يَنْفِيَ كَوْنَهُ عِنْدَهُ وَيَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَأْثَمُ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث