بَاب الصُّلْحِ مَعَ الْمُشْرِكِين
بَاب الصُّلْحِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ ، فِيهِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، وَقَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثُمَّ تَكُونُ هُدْنَةٌ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ ، وَفِيهِ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ : لقد رأيتنا يوم أبي جندل ، وَأَسْمَاءُ ، وَالْمِسْوَرُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 2700 وَقَالَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : صَالَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ ، وَمَنْ أَتَاهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرُدُّوهُ ، وَعَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ قَابِلٍ وَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ : السَّيْفِ وَالْقَوْسِ وَنَحْوِهِ . فَجَاءَ أَبُو جَنْدَلٍ يَحْجُلُ فِي قُيُودِهِ فَرَدَّهُ إِلَيْهِمْ .
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : لَمْ يَذْكُرْ مُؤَمَّلٌ عَنْ سُفْيَانَ أَبَا جَنْدَلٍ ، وَقَالَ : إِلَّا بِجُلُبِّ السِّلَاحِ . 2701 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مُعْتَمِرًا ، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ ، فَنَحَرَ هَدْيَهُ ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ ، وَقَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يَعْتَمِرَ الْعَامَ الْمُقْبِلَ ، وَلَا يَحْمِلَ سِلَاحًا عَلَيْهِمْ إِلَّا سُيُوفًا ، وَلَا يُقِيمَ بِهَا إِلَّا مَا أَحَبُّوا ، فَاعْتَمَرَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَدَخَلَهَا كَمَا كَانَ صَالَحَهُمْ ، فَلَمَّا أَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا أَمَرُوهُ أَنْ يَخْرُجَ فَخَرَجَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الصُّلْحِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ ) أَيْ حُكْمِهِ أَوْ كَيْفِيَّتِهِ أَوْ جَوَازِهِ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ وَبَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ وَالْمُوَادَعَةِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ بِالْمَالِ وَغَيْرِهِ .
قَوْلُهُ : ( فِيهِ ) أَيْ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ) يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ فِي شَأْنِ هِرَقْلَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِطُولِهِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِي أَوَّلِهِ : أنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي هَادَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُفَّارَ قُرَيْشٍ الْحَدِيثَ . وَقَوْلُهُ فِيهِ : وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُـوَ صَانِعٌ فِيهَا .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَكُونُ هُدْنَةٌ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ بِتَمَامِهِ فِي الْجِزْيَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْهُ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَوْلُهُ : وَفِيهِ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ : لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ هُوَ أَيْضًا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ أَيْضًا فِي أَوَاخِرِ الْجِزْيَةِ ، لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَالْأَصِيلِيِّ لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ . قَوْلُهُ : ( وَأَسْمَاءُ وَالْمِسْوَرُ ) أَمَّا حَدِيثُ أَسْمَاءَ وَهِيَ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ فَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِهَا الْمَاضِي فِي الْهِبَةِ قَالَتْ : قَدِمْتُ عَلَى أُمِّي رَاغِبَةً فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ الْحَدِيثَ .
وَأَمَّا حَدِيثُ الْمِسْوَرِ فَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي الشُّرُوطِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ ) هُوَ أَبُو حُذَيْفَةَ النَّهْدِيُّ ، وَطَرِيقُهُ هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَيْوَةَ عَنْهُ ، وَوَصَلَهَا أَيْضًا الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا . وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ الْمَذْكُورُ يَأْتِي شَرْحُهُ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَوْلُهُ فِيهِ ( يَحْجُلُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْجِيمِ - أَيْ يَمْشِي مِثْلَ الْحَجَلَةِ الطَّيْرِ الْمَعْرُوفِ يَرْفَعُ رِجْلًا وَيَضَعُ أُخْرَى ، وَقِيلَ : هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَقَارُبِ الْخُطَا . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : لَمْ يَذْكُرْ مُؤَمِّلٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، أَبَا جَنْدَلٍ ، وَقَالَ : إِلَّا بِجُلُبِّ السِّلَاحِ ) يَعْنِي أَنَّ مُؤَمِّلًا وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ تَابَعَ أَبَا حُذَيْفَةَ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ أَبِي جَنْدَلٍ وَقَالَ : بِجُلُبِّ بَدَلَ قَوْلِهِ : بِجُلُبَّانِ ، وَجُلُبٌّ بِضَمِّ الْجِيمِ وَاللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَذَكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ بِالتَّخْفِيفِ جَمْعُ جَلَبَةٍ ، وَأَمَّا جُلُبَّانُ فَضَبَطَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ ، وَابْنُ دُرَيْدٍ وَجَمَاعَةٌ بِضَمَّتَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَضَبَطَهُ ثَابِتٌ فِي الدَّلَائِلِ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ بِسُكُونِ اللَّامِ مَعَ التَّخْفِيفِ ، وَنَقَلَ عَنْ بَعْضِ الْمُتْقِنِينَ أَنَّهُ بِالرَّاءِ بَدَلَ اللَّامِ مَعَ التَّشْدِيدِ وَكَأَنَّهُ جَمْعُ جِرَابٍ ، لَكِنْ لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحِ إِلَّا بِاللَّامِ ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةٍ مُتْقَنَةٍ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَاللَّامِ مَعَ التَّشْدِيدِ ، وَهُوَ خِلَافُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ فَلَا تَغْتَرَّ بِذَلِكَ . وَطَرِيقُ مُؤَمِّلٍ هَذِهِ وَصَلَهَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ ، وَرُوِّينَاهَا بِعُلُوٍّ فِي الْحِلْيَةِ وَغَيْرِهَا .
وَمِنْ فَوَائِدِهَا تَصْرِيحُ سُفْيَانَ بِتَحْدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ لَهُ وَبِتَحْدِيثِ الْبَرَاءِ لِأَبِي إِسْحَاقَ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ أيضا لكنه مختصر ، وسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ أيضا .