بَاب وَقْفِ الدَّوَابِّ وَالْكُرَاعِ وَالْعُرُوضِ وَالصَّامِت
بَاب وَقْفِ الدَّوَابِّ وَالْكُرَاعِ وَالْعُرُوضِ وَالصَّامِتِ . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ جَعَلَ أَلْفَ دِينَارٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدَفَعَهَا إِلَى غُلَامٍ لَهُ تَاجِرٍ يَتْجِرُ بِهَا ، وَجَعَلَ رِبْحَهُ صَدَقَةً لِلْمَسَاكِينِ وَالْأَقْرَبِينَ ، هَلْ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ رِبْحِ تِلكَ الْأَلْفِ شَيْئًا ؟ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَعَلَ رِبْحَهَا صَدَقَةً فِي الْمَسَاكِينِ ؟ قَالَ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا 2775 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّ عُمَرَ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَعْطَاهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ ، فَحَمَلَ عَلَيْهَا رَجُلًا ، فَأُخْبِرَ عُمَرُ أَنَّهُ قَدْ وَقَفَهَا يَبِيعُهَا ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبْتَاعَهَا فَقَالَ : لَا تَبْتَاعُهَا ، وَلَا تَرْجِعَنَّ فِي صَدَقَتِكَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ وَقْفِ الدَّوَابِّ وَالْكُرَاعِ وَالْعُرُوضِ وَالصَّامِتِ ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِبَيَانِ وَقْفِ الْمَنْقُولَاتِ ، وَالْكُرَاعُ بِضَمِّ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ اسْمٌ لِجَمِيعِ الْخَيْلِ ، فَهُوَ بَعْدَ الدَّوَابِّ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ .
وَالْعُرُوضُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ عَرْضٍ بِالسُّكُونِ ، وَهُوَ جَمِيعُ مَا عَدَا النَّقْدَ مِنَ الْمَالِ . وَالصَّامِتُ بِالْمُهْمَلَةِ بِلَفْظِ ضِدِّ النَّاطِقِ ، وَالْمُرَادُ مِنَ النَّقْدِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ . وَوَجْهُ أَخْذِ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى قِصَّةِ فَرَسِ عُمَرَ أَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى صِحَّةِ وَقْفِ الْمَنْقُولَاتِ ، فَيَلْحَقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ إِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ وَهُوَ تَحْبِيسُ الْعَيْنِ ، فَلَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ ، بَلْ يُنْتَفَعُ بِهَا ، وَالِانْتِفَاعُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الزُّهْرِيُّ .. . إِلَخْ ) هُوَ ذَهَابٌ مِنَ الزُّهْرِيِّ إِلَى جَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَنْهُ هَكَذَا ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ عُمَرَ فِي حَمْلِهِ عَلَى الْفَرَسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ وَجَدَهُ يُبَاعُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْهِبَةِ ، وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ : لَمْ يَذْكُرْ فِي الْبَابِ إِلَّا الْأَثَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَالْحَدِيثَ فِي قِصَّةِ الْفَرَسِ الَّتِي حَمَلَ عَلَيْهَا عُمَرُ فَقَطْ ، وَأَثَرُ الزُّهْرِيِّ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْوَقْفِ الَّذِي أَذِنَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ بِأَنْ يَحْبِسَ أَصْلَهُ وَيَنْتَفِعَ بِثَمَرَتِهِ ، وَالصَّامِتُ إِنَّمَا يُنْتَفَعُ بِهِ بِأَنْ يَخْرُجَ بِعَيْنِهِ إِلَى شَيْءٍ غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ هَذَا بِتَحْبِيسِ الْأَصْلِ وَالِانْتِفَاعِ بِالثَّمَرَةِ بَلِ الْمَأْذُونُ فِيهِ مَا عَادَ مِنْهُ نَفْعٌ بِفَضْلٍ كَالثَّمَرَةِ وَالْغَلَّةِ وَالِارْتِفَاقِ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ ، فَأَمَّا مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إِلَّا بِإِفَاتَةِ عَيْنِهِ فَلَا . اهـ مُلَخَّصًا .
وَجَوَابُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ أَنَّ الَّذِي حَصَرَهُ فِي الِانْتِفَاعِ بِالصَّامِتِ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ ، بَلْ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِالصَّامِتِ بِطَرِيقِ الِارْتِفَاقِ بِأَنْ يَحْبِسَ مَثَلًا مِنْهُ مَا يَجُوزُ لُبْسُهُ لِلْمَرْأَةِ فَيَصِحَّ بِأَنْ يَحْبِسَ أَصْلَهُ ، وَيَنْتَفِعَ بِهِ النِّسَاءُ بِاللُّبْسِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ كَمَا قَدَّمْتُ تَوْجِيهَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .