بَاب مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
بَاب مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَوْلِ اللَّهِ - عز وجل - مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ 2811 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، أَخْبَرَنَا عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْسٍ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا اغْبَرَّتا قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) أَيْ بَيَانُ مَا لَهُ مِنَ الْفَضْلِ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - إِلَى قَوْلِهِ - إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : مُنَاسَبَةُ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ فِي الْآيَةِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَفِي الْآيَةِ إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ قَالَ : فَفَسَّرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ أَنَّ النَّارَ لَا تَمَسُّ مَنْ عَمِلَ بِذَلِكَ ، قَالَ : وَالْمُرَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَمِيعُ طَاعَاتِهِ ا هـ .
وَهُوَ كَمَا قَالَ ، إِلَّا أَنَّ الْمُتَبَادَرَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مِنْ لَفْظِ سَبِيلِ اللَّهِ الْجِهَادُ ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَضْلِ الْمَشْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ اسْتِعْمَالًا لِلَّفْظٍ فِي عُمُومِهِ ، وَلَفْظُهُ هُنَاكَ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : مُطَابَقَةُ الْآيَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اللَّهَ أَثَابَهُمْ بِخُطُوَاتِهِمْ وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرُوا قِتَالًا ، وَكَذَلِكَ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ سَوَاءٌ بَاشَرَ قِتَالًا أَمْ لَا . ا هـ . وَمِنْ تَمَامِ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّ الْوَطْءَ يَتَضَمَّنُ الْمَشْيَ الْمُؤَثِّرَ لِتَغْبِيرِ الْقَدَمِ ، وَلَا سِيَّمَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ) قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ : نَسَبَهُ الْأَصِيلِيُّ ابْن مَنْصُورٍ . قُلْتُ : وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ زَيْدٍ الْخَطَّابِيِّ نَزِيلِ حَرَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمَذْكُورِ ، لَكِنْ زَادَ فِي آخِرِ الْمَتْنِ قَوْلَهُ فَتَمَسَّهَا النَّارُ أَبَدًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ أَبَا نُعَيْمٍ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَيَزِيدُ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ بِالزَّايِ ، وَعَبَايَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ، وَأَبُو عَبْسٍ بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ هُوَ ابْنُ جَبْرٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ . قَوْلُهُ : ( مَا اغْبَرَّتَا ) كَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي بِالتَّثْنِيَةِ وَهُوَ لُغَةٌ ، وَلِلْبَاقِينَ مَا اغْبَرَّتْ وَهُوَ الْأَفْصَحُ ، زَادَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ .
وَقَوْلُهُ : فَتَمَسَّهُ النَّارُ بِالنَّصْبِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَسَّ يَنْتَفِي بِوُجُودِ الْغُبَارِ الْمَذْكُورِ ، وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى عَظِيمِ قَدْرِ التَّصَرُّفِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَإِذَا كَانَ مُجَرَّدُ مَسِّ الْغُبَارِ لِلْقَدَمِ يُحَرِّمُ عَلَيْهَا النَّارَ فَكَيْفَ بِمَنْ سَعَى وَبَذَلَ جَهْدَهُ وَاسْتَنْفَدَ وُسْعَهُ ؟ وَلِلْحَدِيثِ شَوَاهِدُ : مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا : مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ مِنْهُ النَّارَ مَسِيرَةَ أَلْفِ عَامٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْتَعْجِلِ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ فِي غَزَاةٍ فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ ، قَالَ : فَتَوَاثَبَ النَّاسُ عَنْ دَوَابِّهِمْ ، فَمَا رُؤِيَ أَكْثَرَ مَاشِيًا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ .