بَاب التَّحَنُّطِ عِنْدَ الْقِتَالِ
بَاب التَّحَنُّطِ عِنْدَ الْقِتَالِ 2845 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ قَالَ وَذَكَرَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ قَالَ : أَتَى أَنَسٌ ، ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ وَقَدْ حَسَرَ عَنْ فَخِذَيْهِ وَهُوَ يَتَحَنَّطُ فَقَالَ : يَا عَمِّ مَا يَحْبِسُكَ أَنْ لَا تَجِيءَ ؟ قَالَ : الْآنَ يَا ابْنَ أَخِي وَجَعَلَ يَتَحَنَّطُ . يَعْنِي : مِنْ الْحَنُوطِ ، ثُمَّ جَاءَ فَجَلَسَ فَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ انْكِشَافًا مِنْ النَّاسِ فَقَالَ : هَكَذَا عَنْ وُجُوهِنَا حَتَّى نُضَارِبَ الْقَوْمَ ، مَا هَكَذَا كُنَّا نَفْعَلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ رَوَاهُ حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ التَّحَنُّطِ عِنْدَ الْقِتَالِ ) أَيِ اسْتِعْمَالِ الْحَنُوطِ ، وَهُوَ مَا يُطَيَّبُ بِهِ الْمَيِّتُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ ) أَيِ ابْنِ مَالِكٍ . قَوْلُهُ : ( ذَكَرَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ ) كَذَا لِلْحَموِيِّ وَلِلْبَاقِينَ وَذَكَرَهُ بِزِيَادَةِ الْوَاوِ وَهِيَ لِلْحَالِ . قَوْلُهُ : ( يَوْمَ الْيَمَامَةِ ) أَيْ حِينَ حَاصَرَتِ الْمُسْلِمُونَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ وَأَتْبَاعَهُ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ .
قَوْلُهُ : ( أَتَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ قَالَ الْحُمَيْدِيُّ كَذَا قَالَ ، لَمْ يَقُلْ عَنْ أَنَسٍ وَأَخْرَجَهُ الْبُرْقَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ : عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَيْتُ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ . قُلْتُ : وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ جِئْتُ إِلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ فَذَكَرَهُ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الْأَنْصَارِيِّ كَذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ حَسَرَ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ أَيْ كَشَفَ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ .
قَوْلُهُ : ( يَا عَمُّ ) إِنَّمَا دَعَاهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ أَسَنَّ مِنْهُ وَلِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلَةِ الْخَزْرَجِ قَوْلُهُ : ( مَا يَحْبِسُكَ ) أَيْ يُؤَخِّرُكَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَنْصَارِيِ فَقُلْتُ يَا عَمُّ أَلَا تَرَى مَا يَلْقَى النَّاسُ زَادَ مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَلَا تَجِيءُ وَكَذَا أَخْرَجَهُ خَلِيفَةُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ مُعَاذٍ وَقَالَ فِي جَوَابِهِ بَلَى يَا ابْنَ أَخِي الْآنَ . قَوْلُهُ : ( أَلَّا ) بِالتَّشْدِيدِ وَتَجِيءَ بِالنَّصْبِ . قَوْلُهُ : ( وَجَعَلَ يَتَحَنَّطُ يَعْنِي مِنَ الْحَنُوطِ ) كَذَا فِي الْأَصْلِ ، وَكَأَنَّ قَائِلَهَا أَرَادَ دَفْعَ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهَا مِنَ الْحِنْطَةِ ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْأَنْصَارِي الْمَذْكُورَةِ .
قَوْلُهُ : ( فَذَكَرَ مِنَ النَّاسِ انْكِشَافًا ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ فِي الصَّفِّ وَالنَّاسُ يَنْكَشِفُونَ أَيْ يَنْهَزِمُونَ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : هَكَذَا عَنْ وُجُوهِنَا ) أَيِ افْسَحُوا لِي حَتَّى أُقَاتِلَ . قَوْلُهُ : ( مَا هَكَذَا كُنَّا نَفْعَلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ بَلْ كَانَ الصَّفُّ لَا يَنْحَرِفُ عَنْ مَوْضِعِهِ .
قَوْلُهُ : ( بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي عَوَّدَكُمْ أَقْرَانُكُمْ أَيْ نُظَرَاؤُكُمْ وَهُوَ جَمْعُ قِرْنٍ بِكَسْرِ الْقَافِ وَهُوَ الَّذِي يُعَادِلُ الْآخَرَ فِي الشِّدَّةِ ، وَالْقِرْنُ بِكَسْرِ الْقَافِ مَنْ يُعَادِلُ فِي السِّنِّ وَأَرَادَ ثَابِتٌ بِقَوْلِهِ هَذَا تَوْبِيخَ الْمُنْهَزِمِينَ أَيْ عَوَّدْتُمْ نُظَرَاءَكُمْ فِي الْقُوَّةِ مِنْ عَدُّوِكُمُ الْفِرَارَ مِنْهُمْ حَتَّى طَمِعُوا فِيكُمْ وَزَادَ مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَابْنُ أَبِي زَائِدَةَ فِي رِوَايَتِهِمَا فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ . قَوْلُهُ : ( رَوَاهُ حَمَّادٌ ) أَيِ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ ( عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ) كَذَا قَالَ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَصْلِ الْحَدِيثِ ، وَإِلَّا فَرِوَايَةُ حَمَّادٍ أَتَمُّ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ ، والطَّبَرَانِيُّ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ وَلَفْظُهُ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ جَاءَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ وَقَدْ تَحَنَّطَ وَلَبِسَ ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ يُكَفَّنُ فِيهِمَا وَقَدِ انْهَزَمَ الْقَوْمُ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ وَأعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ - ثُمَّ قَالَ - بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ مُنْذُ الْيَوْمِ خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَاعَةً فَحَمَلَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ وَكَانَتْ دِرْعُهُ قَدْ سُرِقَتْ فَرَآهُ رَجُلٌ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ فَقَالَ : إِنَّهَا فِي قِدْرٍ تَحْتَ إِكَافٍ بِمَكَانِ كَذَا فَأَوْصَاهُ بِوَصَايَا فَوَجَدُوا الدِّرْعَ كَمَا قَالَ وَأَنْفَذُوا وَصَايَاهُ . وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ قِصَّةَ الدِّرْعِ وَالْوَصِيَّةِ مُطَوَّلَةً مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ بِنْتِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ الْمَذْكُورَةِ وَفِيهَا : أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ بَعْضِ رَقِيقِهِ وَسَمَّى الْوَاقِدِيُّ فِي كِتَابِ الرِّدَّةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَنْ أَوْصَى بِعِتْقِهِ وَهُمْ سَعْدٌ ، وَسَالِمٌ وَأَفَادَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ رَائِيَ الْمَنَامِ هُوَ بِلَالٌ الْمُؤَذِّنُ .
قَالَ الْمُهَلَّبُ وَغَيْرُهُ : فِيهِ جَوَازُ اسْتِهْلَاكِ النَّفْسِ فِي الْجِهَادِ وَتَرْكِ الْأَخْذِ بِالرُّخْصَةِ وَالتَّهْيِئَةِ لِلْمَوْتِ بِالتَّحَنُّطِ وَالتَّكْفِينِ ، وَفِيهِ قُوَّةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَصِحَّةُ يَقِينِهِ وَنِيَّتِهِ ، وَفِيهِ التَّدَاعِي إِلَى الْحَرْبِ وَالتَّحْرِيضُ عَلَيْهَا وَتَوْبِيخُ مَنْ يَفِرُّ ، وَفِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالثَّبَاتِ فِي الْحَرْبِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْفَخِذَ لَيْسَتْ عَوْرَةً ، وَقَدْ مَضَى الْبَحْثُ فِيهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ .