بَاب الْبَيْعَةِ فِي الْحَرْبِ أَنْ لَا يَفِرُّوا
بَاب الْبَيْعَةِ فِي الْحَرْبِ أَنْ لَا يَفِرُّوا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَلَى الْمَوْتِ لِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ 2958 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : رَجَعْنَا مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَمَا اجْتَمَعَ مِنَّا اثْنَانِ عَلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي بَايَعْنَا تَحْتَهَا ، كَانَتْ رَحْمَةً مِنْ اللَّهِ . فَسَأَلْنا نَافِعًا : عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعَهُمْ ، عَلَى الْمَوْتِ ؟ قَالَ : لَا ، بَلْ بَايَعَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْبَيْعَةِ فِي الْحَرْبِ عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمَوْتِ ) كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَقَامَيْنِ ، أَوْ أَحَدَهُمَا يَسْتَلْزِمُ الْآخَرَ .
قَوْلُهُ : ( لِقَوْلِهِ تَعَالَى : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ الْآيَةَ ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِالِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ إِلَى أَنَّهُمْ بَايَعُوا عَلَى الصَّبْرِ ، وَوَجْهُ أَخْذِهِ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْـزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَالسَّكِينَةُ : الطُّمَأْنِينَةُ فِي مَوْقِفِ الْحَرْبِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ أَضْمَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ أَنْ لَا يَفِرُّوا فَأَعَانَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ إِنَّمَا ذَكَرَ الْآيَةَ عَقِبَ الْقَوْلِ الصَّائِرِ إِلَى أَنَّ الْمُبَايَعَةَ وَقَعَتْ عَلَى الْمَوْتِ ، وَوَجْهُ انْتِزَاعِ ذَلِكَ مِنْهَا أَنَّ الْمُبَايَعَةَ فِيهَا مُطْلَقَةٌ ، وَقَدْ أَخْبَرَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ - وَهُوَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ - أَنَّهُ بَايَعَ عَلَى الْمَوْتِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِمْ : بَايَعُوهُ عَلَى الْمَوْتِ ، وَعَلَى عَدَمِ الْفِرَارِ ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُبَايَعَةِ عَلَى الْمَوْتِ أَنْ لَا يَفِرُّوا وَلَوْ مَاتُوا ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَقَعَ الْمَوْتُ وَلَا بُدَّ ، وَهُوَ الَّذِي أَنْكَرَهُ نَافِعٌ وَعَدَلَ إِلَى قَوْلِهِ : بَلْ بَايَعَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ أَيْ : عَلَى الثَّبَاتِ وَعَدَمِ الْفِرَارِ سَوَاءٌ أَفْضَى بِهِمْ ذَلِكَ إِلَى الْمَوْتِ أَمْ لَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مُوَافَقَةُ الْمُسَيَّبِ بْنِ حَزْنٍ - وَالِدِ سَعِيدٍ - ، لِابْنِ عُمَرَ عَلَى خَفَاءِ الشَّجَرَةِ ، وَبَيَانِ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ لَا يَحْصُلَ بِهَا افْتِتَانٌ لِمَا وَقَعَ تَحْتَهَا مِنَ الْخَيْرِ ، فَلَوْ بَقِيَتْ لَمَا أُمِنَ تَعْظِيمُ بَعْضِ الْجُهَّالِ لَهَا حَتَّى رُبَّمَا أَفْضَى بِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ أَنَّ لَهَا قُوَّةَ نَفْعٍ أَوْ ضَرٍّ كَمَا نَرَاهُ الْآنَ مُشَاهَدًا فِيمَا هُوَ دُونَهَا ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ عُمَرَ بِقَوْلِهِ : كَانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ أَيْ : كَانَ خَفَاؤُهَا عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ ، أَيْ : كَانَتِ الشَّجَرَةُ مَوْضِعَ رَحْمَةِ اللَّهِ وَمَحِلَّ رِضْوَانِهِ لِنُزُولِ الرِّضَا عَنِ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدهَا .
ثُمَّ ذَكَرَ فيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ : أَحَدُهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : رَجَعْنَا مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَمَا اجْتَمَعَ مِنَّا اثْنَانِ عَلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي بَايَعْنَا - أَيِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحْتَهَا أَيْ : فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ . قَوْلُهُ : ( فَسَأَلْنَا نَافِعًا ) قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ الرَّاوِي عَنْهُ ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ نَافِعٍ وَلَيْسَ بِمُسْنَدٍ ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ نَافِعًا إِنَّمَا جَزَمَ بِمَا أَجَابَ بِهِ لِمَا فَهِمَهُ عَنْ مَوْلَاهُ ابْنِ عُمَرَ فَيَكُونُ مُسْنَدًا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ .