بَاب عَزْمِ الْإِمَامِ عَلَى النَّاسِ فِيمَا يُطِيقُونَ
بَاب عَزْمِ الْإِمَامِ عَلَى النَّاسِ فِيمَا يُطِيقُونَ 2964 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَقَدْ أَتَانِي الْيَوْمَ رَجُلٌ فَسَأَلَنِي عَنْ أَمْرٍ مَا دَرَيْتُ مَا أَرُدُّ عَلَيْهِ فَقَالَ : أَرَأَيْتَ رَجُلًا مُؤْدِيًا نَشِيطًا يَخْرُجُ مَعَ أُمَرَائِنَا فِي الْمَغَازِي فَيَعْزِمُ عَلَيْنَا فِي أَشْيَاءَ لَا نُحْصِيهَا . فَقُلْتُ لَهُ : وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ ، إِلَّا أَنَّا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَسَى أَنْ لَا يَعْزِمَ عَلَيْنَا فِي أَمْرٍ إِلَّا مَرَّةً حَتَّى نَفْعَلَهُ ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يَزَالَ بِخَيْرٍ مَا اتَّقَى اللَّهَ . وَإِذَا شَكَّ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ سَأَلَ رَجُلًا فَشَفَاهُ مِنْهُ ، وَأَوْشَكَ أَنْ لَا تَجِدُوهُ ، وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا أَذْكُرُ مَا غير مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا كَالثَّغْبِ شُرِبَ صَفْوُهُ وَبَقِيَ كَدَرُهُ .
قَوْلُهُ : ( بَابُ عَزْمِ الْإِمَامِ عَلَى النَّاسِ فِيمَا يُطِيقُونَ ) الْمُرَادُ بِالْعَزْمِ : الْأَمْرُ الْجَازِمُ الَّذِي لَا تَرَدُّدَ فِيهِ ، وَالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَثَلًا : مَحَلُّهُ ، وَالْمَعْنَى وُجُوبُ طَاعَةِ الْإِمَامِ مَحَلُّهُ فِيمَا لَهُمْ بِهِ طَاقَةٌ . قَوْلُهُ : ( قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ) أَيِ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( أَتَانِي الْيَوْمَ رَجُلٌ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ .
قَوْلُهُ : ( مُؤْدِيًا ) بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ خَفِيفَةٍ ، أَيْ : كَامِلَ الْأَدَاءِ ، أَيْ : أَدَاةَ الْحَرْبِ ، وَلَا يَجُوزُ حَذْفُ الْهَمْزَةِ مِنْهُ لِئَلَّا يَصِيرَ مِنْ أَوْدَى إِذَا هَلَكَ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : مَعْنَاهُ قَوِيًّا ، وَكَأَنَّهُ فَسَرَّهُ بِاللَّازِمِ . وَقَوْلُهُ نَشِيطًا بِنُونٍ وَبِمُعْجَمَةٍ مِنَ النَّشَاطِ .
قَوْلُهُ : ( نَخْرُجُ مَعَ أُمَرَائِنَا ) كَذَا فِي الرِّوَايَةِ بِالنُّونِ مِنْ قَوْلِهِ نَخْرُجُ ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ رَجُلًا أَحَدُنَا ، أَوْ هُوَ مَحْذُوفُ الصِّفَةِ ، أَيْ : رَجُلًا مِنَّا ، وَعَلَى هَذَا عَوَّلَ الْكِرْمَانِيُّ لِأَنَّ السِّيَاقَ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ مَعَ امْرَأَتِهِ ، وَفِيهِ حِينَئِذٍ الْتِفَاتٌ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ بَدَلَ النُّونِ وَفِيهِ أَيْضًا الْتِفَاتٌ . قَوْلُهُ : ( لَا نُحْصِيهَا ) أَيْ : لَا نُطِيقُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ وَقِيلَ : لَا نَدْرِي أَهِيَ طَاعَةٌ أَمْ مَعْصِيَةٌ ؟ وَالْأَوَّلُ مُطَابِقٌ لِمَا فَهِمَ الْبُخَارِيُّ فَتَرْجَمَ بِهِ ، وَالثَّانِي مُوَافِقٌ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَإِذَا شَكَّ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ سَأَلَ رَجُلًا فَشَفَاهُ مِنْهُ ، أَيْ : مِنْ تَقْوَى اللَّهِ أَنْ لَا يُقْدِمَ الْمَرْءُ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ حَتَّى يَسْأَلَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَيَدُلُّهُ عَلَى مَا فِيهِ شِفَاؤُهُ .
وَقَوْلُهُ : شَكَّ نَفْسُهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَقْلُوبِ ، إِذِ التَّقْدِيرُ : وَإِذَا شَكَّ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ ، أَوْ ضَمَّنَ شَكَّ مَعْنَى لَصِقَ ، وَالْمُرَادُ بِالشَّيْءِ مَا يَتَرَدَّدُ فِي جَوَازِهِ وَعَدَمِهِ . وَقَوْلُهُ : حَتَّى يَفْعَلَهُ غَايَةٌ لِقَوْلِهِ : لَا يَعْزِمُ ، أَوْ لِلْعَزْمِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمُسْتَثْنَى وَهُوَ مَرَّةً . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّجُلَ سَأَلَ ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ حُكْمِ طَاعَةِ الْأَمِيرِ فَأَجَابَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ بِالْوُجُوبِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِهِ مُوَافِقًا لِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى .
قَوْلُهُ : ( مَا غَبَرَ ) بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ، أَيْ : مَضَى ، وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ يُطْلَقُ عَلَى مَا مَضَى وَعَلَى مَا بَقِيَ ، وَهُوَ هُنَا مُحْتَمِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : هُوَ بِالْمَاضِي هُنَا أَشْبَهُ كَقَوْلِهِ : مَا أَذْكُرُ . وَالثَّغْبُ بِمُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا .
قَالَ الْقَزَّازُ : وَهُوَ أَكْثَرُ ، وَهُوَ الْغَدِيرُ يَكُونُ فِي ظِلٍّ فَيَبْرُدُ مَاؤُهُ وَيَرُوقُ ، وَقِيلَ : هُوَ مَا يَحْتَفِرُهُ السَّيْلُ فِي الْأَرْضِ الْمُنْخَفِضَةِ فَيَصِيرُ مِثْلَ الْأُخْدُودِ ، فَيَبْقَى الْمَاءُ فِيهِ فَتَصْفِقُهُ الرِّيحُ فَيَصِيرُ صَافِيًا باردا . وَقِيلَ : هُوَ نُقْرَةٌ فِي صَخْرَةٍ يَبْقَى فِيهَا الْمَاءُ كَذَلِكَ ; فَشَبَّهَ مَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا بِمَا شُرِبَ مِنْ صَفْوِهِ ، وَمَا بَقِيَ مِنْهَا بِمَا تَأَخَّرَ مِنْ كَدَرِهِ . وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي زَمَانِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَدْ مَاتَ هُوَ قَبْلَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ وَوُجُودِ تِلْكَ الْفِتَنِ الْعَظِيمَةِ فَمَاذَا يَكُونُ اعْتِقَادُهُ فِيمَا جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَهَلُمَّ جَرَّا ؟ وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ وُجُوبَ طَاعَةِ الْإِمَامِ ، وَأَمَّا تَوَقُّفُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ خُصُوصِ جَوَابِهِ وَعُدُولِهِ إِلَى الْجَوَابِ الْعَامِّ فَلِلْإِشْكَالِ الَّذِي وَقَعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي بَقِيَّةِ حَدِيثِهِ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ التَّوَقُّفُ فِي الْإِفْتَاءِ فِيمَا أُشْكِلَ مِنَ الْأَمْرِ كَمَا لَوْ أَنَّ بَعْضَ الْأَجْنَادِ اسْتَفْتَى أَنَّ السُّلْطَانَ عَيَّنَهُ فِي أَمْرٍ مَخُوفٍ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَكَلَّفَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُطِيقُ ، فَمَنْ أَجَابَهُ بِوُجُوبِ طَاعَةِ الْإِمَامِ أَشْكَلَ الْأَمْرَ لِمَا وَقَعَ مِنَ الْفَسَادِ ، وَإِنْ أَجَابَهُ بِجَوَازِ الِامْتِنَاعِ أَشْكَلَ الْأَمْرَ لِمَا قَدْ يُفْضِي بِهِ ذَلِكَ إِلَى الْفِتْنَةِ ، فَالصَّوَابُ التَّوَقُّفُ عَنِ الْجَوَابِ فِي ذَلِكَ وَأَمْثَالِهِ .
وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَابِ .