بَاب فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً وبَاب هَلْ لِلْأَسِيرِ أَنْ يَقْتُلَ وَيَخْدَعَ الَّذِينَ أَسَرُوهُ حَتَّى يَنْجُوَ مِنْ الْكَفَرَةِ
بَاب فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً فِيهِ حَدِيثُ ثُمَامَةَ وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ - حتى يَغْلِبَ فِي الْأَرْضِ - تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا الْآيَةَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ ( فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فَدَاءً ) فِيهِ حَدِيثُ ثُمَامَةَ ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِ ثُمَامَةَ بْنِ أَثَالٍ ، وَسَتَأْتِي مَوْصُولَةً مُطَوَّلَةً فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْمَغَازِي ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا هُنَا قَوْلُهُ فِيهِ : إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ التَّقْسِيمَ ، ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لِقَوْلِ الْجُمْهُورِ : أَنَّ الْأَمْرَ فِي أَسْرَى الْكَفَرَةِ مِنَ الرِّجَالِ إِلَى الْإِمَامِ ، يَفْعَلُ مَا هُوَ الْأَحَظُّ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَمُجَاهِدٌ وَطَائِفَةٌ : لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْفِدَاءِ مِنْ أُسَارَى الْكُفَّارِ أَصْلًا .
وَعَنِ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ : لَا تُقْتَلُ الْأُسَارَى ، بَلْ يُتَخَيَّرُ بَيْنَ الْمَنِّ وَالْفِدَاءِ . وَعَنْ مَالِكٍ : لَا يَجُوزُ الْمَنُّ بِغَيْرِ فِدَاءٍ . وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ : لَا يَجُوزُ الْمَنُّ أَصْلًا لَا بِفِدَاءٍ وَلَا بِغَيْرِهِ ، فَيُرَدُّ الْأَسِيرُ حَرْبِيًّا .
قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَظَاهِرُ الْآيَةِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ ، لَكِنْ فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ ذِكْرُ الْقَتْلِ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِّيُّ : احْتَجَّ أَصْحَابُنَا لِكَرَاهَةِ فِدَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِالْمَالِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ الْآيَةَ ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ حِلِّ الْغَنِيمَةِ ، فَإِنْ فَعَلَهُ بَعْدَ إِبَاحَةِ الْغَنِيمَةِ فَلَا كَرَاهَةَ انْتَهَى . وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، فَقَدْ حَكَى ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ اخْتِلَافًا : أَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَرْجَحُ ؟ مَا أَشَارَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَخْذِ الْفِدَاءِ ، أَوْ مَا أَشَارَ بِهِ عُمَرُ مِنَ الْقَتْلِ ؟ فَرَجَّحَتْ طَائِفَةٌ رَأْيَ عُمَرَ لِظَاهِرِ الْآيَةِ ، وَلِمَا فِي الْقِصَّةِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبْكِي لِمَا عُرِضَ عَلَى أَصْحَابِكَ مِنَ الْعَذَابِ لِأَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ .
وَرَجَّحَتْ طَائِفَةٌ رَأْيَ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّهُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْحَالُ حِينَئِذٍ ، وَلِمُوَافَقَةِ رَأْيِهِ الْكِتَابَ الَّذِي سَبَقَ ، وَلِمُوَافَقَةِ حَدِيثِ : سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي وَلِحُصُولِ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ بَعْدُ مِنْ دُخُولِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ وَالصُّحْبَةِ وَمَنْ وُلِدَ لَهُمْ مَنْ كَانَ وَمَنْ تَجَدَّدَ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ . وَحَمَلُوا التَّهْدِيدَ بِالْعَذَابِ عَلَى مَنِ اخْتَارَ الْفِدَاءَ ، فَيَحْصُلُ عَرَضُ الدُّنْيَا مُجَرَّدًا وَعَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ذَلِكَ . وَحَدِيثُ عُمَرَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مُطَوَّلًا وَأَصْلُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ .
قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ - يَعْنِي : يَغْلِبَ فِي الْأَرْضِ - تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا الْآيَةَ ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَكَرِيمَةَ ، وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ ، وَتَفْسِيرُ يُثْخِنَ بِمَعْنَى يَغْلِبَ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَزَادَ : وَيُبَالِغَ . وَعَنْ مُجَاهِدٍ : الْإِثْخَانُ الْقَتْلُ ، وَقِيلَ : الْمُبَالَغَةُ فِيهِ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : حَتَّى يَتَمَكَّنَ فِي الْأَرْضِ .
وَأَصْلُ الْإِثْخَانِ فِي اللُّغَةِ : الشِّدَّةُ وَالْقُوَّةُ . وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ مَنَعَ أَخْذَ الْفِدَاءِ مِنْ أُسَارَى الْكُفَّارِ ، وَحُجَّتُهُمْ مِنْهَا أَنَّهُ تَعَالَى أَنْكَرَ إِطْلَاقَ أَسْرَى كُفَّارِ بَدْرٍ عَلَى مَالٍ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ بَعْدُ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ قَالَ : فَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ : بَلْ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : لَا نَسْخَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ بَلْ هِيَ مُحْكَمَةٌ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمِلَ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ كُلُّهَا فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ : فَقَتَلَ بَعْضَ الْكُفَّارِ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَفَدَى بَعْضًا ، وَمَنَّ عَلَى بَعْضٍ . وَكَذَا قَتَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ ، وَمَنَّ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، وَقَتَلَ ابْنَ خَطَلٍ وَغَيْرَهُ بِمَكَّةَ وَمَنَّ عَلَى سَائِرِهِمْ .
وَسَبَى هَوَازِنَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ . وَمَنَّ عَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أَثَالٍ ؛ فَدَلَّ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى تَرْجِيحِ قَوْلِ الْجُمْهُورِ إِنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ . وَمُحَصِّلُ أَحْوَالِهِمْ تَخْيِيرُ الْإِمَامِ بَعْدَ الْأَسْرِ بَيْنَ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ ، لِمَنْ شُرِعَ أَخْذُهَا مِنْهُ ، أَوِ الْقَتْلِ أَوْ الِاسْتِرْقَاقِ أَوِ الْمَنِّ بِلَا عِوَضٍ أَوْ بِعِوَضٍ ، هَذَا فِي الرِّجَالِ ، وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَيُرَقُّونَ بِنَفْسِ الْأَسْرِ ، وَيَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِالْأَسِيرَةِ الْكَافِرَةِ بِأَسِيرٍ مُسْلِمٍ أَوْ مُسْلَمَةٍ عِنْدَ الْكُفَّارِ .
وَلَوْ أَسْلَمَ الْأَسِيرُ زَالَ الْقَتْلُ اتِّفَاقًا ، وَهَلْ يَصِيرُ رَقِيقًا أَوْ تَبْقَى بَقِيَّةُ الْخِصَالِ ؟ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ . 151 - بَاب هَلْ لِلْأَسِيرِ أَنْ يَقْتُلَ وَيَخْدَعَ الَّذِينَ أَسَرُوهُ حَتَّى يَنْجُوَ مِنْ الْكَفَرَةِ ؟ فِيهِ الْمِسْوَرُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ : ( بَابُ هَلْ لِلْأَسِيرِ أَنْ يَقْتُلَ أَوْ يَخْدَعَ الَّذِينَ أَسَرُوهُ حَتَّى يَنْجُوَ مِنَ الْكَفَرَةِ ؟ فِيهِ الْمِسْوَرُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى قِصَّةِ أَبِي بَصِيرٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُهَا فِي أَوَاخِرِ الشُّرُوطِ ، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ ، وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ أَيْضًا ، وَلِهَذَا لَمْ يَبُتَّ الْحُكْمَ فِيهَا ، قَالَ الْجُمْهُورُ : إِنِ ائْتَمَنُوهُ يَفِ لَهُمْ بِالْعَهْدِ ، حَتَّى قَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَهْرُبَ مِنْهُمْ . وَخَالَفَهُ أَشْهَبُ فَقَالَ : لَوْ خَرَجَ بِهِ الْكَافِرُ لِيُفَادِيَ بِهِ فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالطَّبَرِيُّ : إِعْطَاؤُهُ الْعَهْدَ عَلَى ذَلِكَ بَاطِلٌ ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ لَا يَفِيَ لَهُمْ بِهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ : يَجُوزُ أَنْ يَهْرُبَ مِنْ أَيْدِيهِمْ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ . قَالُوا : وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ عَهْدٌ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهُمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ وَلَوْ بِالْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ وَتَحْرِيقِ الدَّارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ فِي قِصَّةِ أَبِي بَصِيرٍ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ تَسَلَّمَهُ لِيَرُدَّهُ إِلَى الْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ ، وَلِهَذَا تَعَرَّضَ لِلْقَتْلِ ، فَقَتَلَ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ وَانْفَلَتَ الْآخَرُ ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى .