بَاب لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ
بَاب لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ 3024 - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ الْيَرْبُوعِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، كُنْتُ كَاتِبًا لَهُ ، قَالَ : كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى حِينَ خَرَجَ إِلَى الْحَرُورِيَّةِ ، فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فِيهِ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ ، انْتَظَرَ حَتَّى مَالَتْ الشَّمْسُ ، ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ : لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ . ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ ، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُقَطَّعًا فِي أَبْوَابٍ مِنْهَا : الْجَنَّةُ تَحْتَ الْبَارِقَةِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ : وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ ، وَمِنْهَا : الصَّبْرُ عِنْدَ الْقِتَالِ وَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ : وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا ، وَمِنْهَا : الدُّعَاءُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِالْهَزِيمَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْفَصْلِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ عَلَى شَيْءٍ فِي إِسْنَادِهِ فِي أَوَّلِ تَرْجَمَةٍ ، وَأَوْرَدَهُ بِتَمَامِهِ فِي : الْقِتَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِيهِ .
قَوْلُهُ : ( لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : حِكْمَةُ النَّهْيِ أَنَّ الْمَرْءَ لَا يَعْلَمُ مَا يَؤولُ إِلَيْهِ الْأَمْرُ ، وَهُوَ نَظِيرُ سُؤَالِ الْعَافِيَةِ مِنَ الْفِتَنِ ، وَقَدْ قَالَ الصِّدِّيقُ : لَأَنْ أُعَافَى فَأَشْكُرَ ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُبْتَلَى فَأَصْبِرَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنَّمَا نَهَى عَنْ تَمَّنِي لِقَاءِ الْعَدُوِّ لِمَا فِيهِ مِنْ صُورَةِ الْإِعْجَابِ وَالاتْكَالِ عَلَى النُّفُوسِ وَالْوُثُوقِ بِالْقُوَّةِ ، وَقِلَّةِ الِاهْتِمَامِ بِالْعَدُوِّ ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُبَايِنُ الِاحْتِيَاطَ وَالْأَخْذَ بِالْحَزْمِ . وَقِيلَ : يُحْمَلُ النَّهْيُ عَلَى مَا إِذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي الْمَصْلَحَةِ أَوْ حُصُولِ الضَّرَرِ ، وَإِلَّا فَالْقِتَالُ فَضِيلَةٌ وَطَاعَةٌ .
وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ تَعْقِيبُ النَّهْيِ بِقَوْلِهِ : وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ ، وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ مُرْسَلًا : لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ عَسَى أَنْ تُبْتَلَوْا بِهِمْ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : لَمَّا كَانَ لِقَاءُ الْمَوْتِ مِنْ أَشَقِّ الْأَشْيَاءِ عَلَى النَّفْسِ ، وَكَانَتِ الْأُمُورُ الْغَائِبَةُ لَيْسَتْ كَالْأُمُورِ الْمُحَقَّقَةِ ، لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْوُقُوعِ كَمَا يَنْبَغِي ، فَيُكْرَهُ التَّمَنِّي لِذَلِكَ ، وَلِمَا فِيهِ لَوْ وَقَعَ مِنَ احْتِمَالِ أَنْ يُخَالِفَ الْإِنْسَانُ مَا وَعَدَ مِنْ نَفْسِهِ ، ثُمَّ أُمِرَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ وُقُوعِ الْحَقِيقَةِ انْتَهَى . وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَنْعِ طَلَبِ الْمُبَارَزَةِ ، وَهُوَ رَأْيُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ : لَا تَدْعُ إِلَى الْمُبَارَزَةِ ، فَإِذَا دُعِيتَ فَأَجِبْ تُنْصَرْ ، لِأَنَّ الدَّاعِيَ بَاغٍ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ ، إِلَخْ ) أَشَارَ بِهَذَا الدُّعَاءِ إِلَى وُجُوهِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ ، فَبِالْكِتَابِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَبِمُجْرِي السَّحَابِ ، إِلَى الْقُدْرَةِ الظَّاهِرَةِ فِي تَسْخِيرِ السَّحَابِ حَيْثُ يُحَرَّكُ الرِّيحُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَحَيْثُ يَسْتَمِرُّ فِي مَكَانِهِ مَعَ هُبُوبِ الرِّيحِ ، وَحَيْثُ تُمْطِرُ تَارَةً وَأُخْرَى لَا تُمْطِرُ ، فَأَشَارَ بِحَرَكَتِهِ إِلَى إِعَانَةِ الْمُجَاهِدِينَ فِي حَرَكَتِهِمْ فِي الْقِتَالِ ، وَبِوُقُوفِهِ إِلَى إِمْسَاكِ أَيْدِي الْكُفَّارِ عَنْهُمْ ، وَبِإِنْزَالِ الْمَطَرِ إِلَى غَنِيمَةِ مَا مَعَهُمْ حَيْثُ يَتَّفِقُ قَتْلُهُمْ ، وَبِعَدَمِهِ إِلَى هَزِيمَتِهِمْ حَيْثُ لَا يَحْصُلُ الظَّفَرُ بِشَيءٍ مِنْهُمْ ، وَكُلُّهَا أَحْوَالٌ صَالِحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ . وَأَشَارَ بِهَازِمِ الْأَحْزَابِ إِلَى التَّوَسُّلِ بِالنِّعْمَةِ السَّابِقَةِ ، وَإِلَى تَجْرِيدِ التَّوَكُّلِ ، وَاعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْفِعْلِ .
وَفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى عِظَمِ هَذِهِ النِّعَمِ الثَّلَاثِ ، فَإِنَّ بِإِنْزَالِ الْكِتَابِ حَصَلَتِ النِّعْمَةُ الْأُخْرَوِيَّةُ وَهِيَ الْإِسْلَامُ ، وَبِإِجْرَاءِ السَّحَابِ حَصَلَتِ النِّعْمَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ وَهِيَ الرِّزْقُ ، وَبِهَزِيمَةِ الْأَحْزَابِ حَصَلَ حِفْظُ النِّعْمَتَيْنِ ، وَكَأَنَّهُ قَالَ : اللَّهُمَّ كَمَا أَنْعَمْتَ بِعَظِيمِ النِّعْمَتَيْنِ ؛ الْأُخْرَوِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ وَحَفِظْتَهُمَا ، فَأَبْقِهِمَا . وَرَوَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا أَيْضًا فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبُّنَا وَرَبُّهُمْ ، وَنَحْنُ عَبِيدُكَ وَهُمْ عَبِيدُكَ ، نَوَاصِينَا وَنَوَاصِيهِمْ بِيَدِكَ ، فَاهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ . وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا نَحْوَهُ ، لَكِنْ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ ، عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ ( وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ ) : فَإِنْ بُلِيتُمْ بِهِمْ فَقُولُوا اللَّهُمَّ ، فَذَكَرَهُ وَزَادَ : ( وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ وَاحْمِلُوا عَلَيْهِمْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ ) .