بَاب الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ
بَاب الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ 3031 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ؟ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَأَتَاهُ فَقَالَ : إِنَّ هَذَا - يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَنَّانَا وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ . قَالَ : وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ .
قَالَ : فَإِنَّا اتَّبَعْنَاهُ فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُهُ . قَالَ : فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتَّى اسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ، وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا مَعَ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي .
قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : التَّرْجَمَةُ غَيْرُ مُطَابِقَةٍ ، لِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُمْ فِي قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَعْرِيضًا ، لِأَنَّ قَوْلَهُمْ : عَنَّانَا أَيْ : كَلَّفَنَا بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي ، وَقَوْلُهُمْ : سَأَلَنَا الصَّدَقَةَ أَيْ : طَلَبَهَا مِنَّا لِيَضَعَهَا مَوَاضِعَهَا ، وَقَوْلُهُمْ : فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ ، إِلَخْ مَعْنَاهُ : نَكْرَهُ فِرَاقَهُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ كَانُوا يُحِبُّونَ الْكَوْنَ مَعَهُ أَبَدًا . انْتَهَى . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُمْ فِيمَا قَالُوهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْكَذِبِ أَصْلًا ، وَجَمِيعُ مَا صَدَرَ مِنْهُمْ تَلْوِيحٌ كَمَا سَبَقَ ، لَكِنْ تَرْجَمَ بِذَلِكَ لِقَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلًا ائْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ ، قَالَ قُلْ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْإِذْنُ فِي الْكَذِبِ تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَإِنْ لَمْ تُذْكَرْ فِي سِيَاقِ حَدِيثِ الْبَابِ فَهِيَ ثَابِتَةٌ فِيهِ كَمَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ لَمَا كَانَتِ التَّرْجَمَةُ مُنَافِرَةً لِلْحَدِيثِ ، لِأَنَّ مَعْنَاهَا حِينَئِذٍ : بَابُ الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ هَلْ يَسُوغُ مُطْلَقًا أَوْ يَجُوزُ مِنْهُ الْإِيمَاءُ دُونَ التَّصْرِيحِ ؟ وَقَدْ جَاءَ مِنْ ذَلِكَ صَرِيحًا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ مَرْفُوعًا : لَا يَحِلُّ الْكَذِبُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ : تَحْدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ لِيُرْضِيَهَا ، وَالْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ ، وَفِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ مَا فِي حَدِيثِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ لِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ ذَلِكَ ، وَنَقَلَ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ الْكَذِبِ مُطْلَقًا أَوْ تَقْيِيدِهِ بِالتَّلْوِيحِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : الظَّاهِرُ إِبَاحَةُ حَقِيقَةِ الْكَذِبِ فِي الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ ، لَكِنَّ التَّعْرِيضَ أَوْلَى . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : الْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ مِنَ الْمُسْتَثْنَى الْجَائِزِ بِالنَّصِّ رِفْقًا بِالْمُسْلِمِينَ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ وَلَيْسَ لِلْعَقْلِ فِيهِ مَجَالٌ ، وَلَوْ كَانَ تَحْرِيمُ الْكَذِبِ بِالْعَقْلِ مَا انْقَلَبَ حَلَالًا انْتَهَى . وَيُقَوِّيهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْحَجَّاجِ ابْنِ عِلَاطٍ ، الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فِي اسْتِئْذَانِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ عَنْهُ مَا شَاءَ لِمَصْلَحَتِهِ فِي اسْتِخْلَاصِ مَالِهِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِخْبَارُهُ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَنَّ أَهْلَ خَيْبَرَ هَزَمُوا الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَشْهُورٌ فِيهِ ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ ، وَقَوْلُ الْأَنْصَارِيِّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَفَّ عَنْ بَيْعَتِهِ : هَلَّا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ ، قَالَ : مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ .
لِأَنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ بِالْخِدَاعِ وَالْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ حَالَةَ الْحَرْبِ خَاصَّةً ، وَأَمَّا حَالُ الْمُبَايَعَةِ فَلَيْسَتْ بِحَالِ حَرْبٍ ، كَذَا قَالَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قِصَّةَ الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ أَيْضًا لَمْ تَكُنْ فِي حَالِ حَرْبٍ . وَالْجَوَابُ الْمُسْتَقِيمُ أَنْ تَقُولَ : الْمَنْعُ مُطْلَقًا مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لِغَيْرِهِ ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا ، فَإِنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَمْرًا فَلَا يُظْهِرُهُ كَأَنْ يُرِيدَ أَنْ يَغْزُوَ وجهةَ الشَّرْقِ فَيَسْأَلُ عَنْ أَمْرٍ فِي جِهَةِ الْغَرْبِ ، وَيَتَجَهَّزُ لِلسَّفَرِ فَيَظُنُّ مَنْ يَرَاهُ وَيَسْمَعُهُ أَنَّهُ يُرِيدُ جِهَةَ الْغَرْبِ ، وَأَمَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِإِرَادَتِهِ الْغَرْبَ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ الشَّرْقُ فَلَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : سَأَلْتُ بَعْضَ شُيُوخِي عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : الْكَذِبُ الْمُبَاحُ فِي الْحَرْبِ مَا يَكُونُ مِنَ الْمَعَارِيضِ لَا التَّصْرِيحُ بِالتَّأْمِينِ مَثَلًا ، قَالَ : وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : مَوْضِعُ الشَّاهِدِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ : قَدْ عَنَّانَا ، فَإِنَّهُ سَأَلَنَا الصَّدَقَةَ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُفْهَمَ أَنَّ اتِّبَاعَهُمْ لَهُ إِنَّمَا هُوَ لِلدُّنْيَا فَيَكُونَ كَذِبًا مَحْضًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ أَتْعَبَنَا بِمَا يَقَعُ لَنَا مِنْ مُحَارَبَةِ الْعَرَبِ .
فَهُوَ مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ ، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْكَذِبِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي هُوَ الْإِخْبَارُ عَنِ الشَّيْءِ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ . ثُمَّ قَالَ : وَلَا يَجُوزُ الْكَذِبُ الْحَقِيقِيُّ فِي شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ أَصْلًا . قَالَ : وَمُحَالٌ أَنْ يَأْمُرَ بِالْكَذِبِ مَنْ يَقُولُ : مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ .
انْتَهَى ، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُ ذَلِكَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ .