حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب فرض الخمس

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ - وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرٍ ذَكَرَ لِي ذِكْرًا مِنْ حَدِيثِهِ ذَلِكَ ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ ، فَقَالَ مَالِكٌ - : بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي أَهْلِي حِينَ مَتَعَ النَّهَارُ إِذَا رَسُولُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَأْتِينِي ، فَقَالَ : أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى رِمَالِ سَرِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ ، مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ جَلَسْتُ فَقَالَ : يَا مَالِ ، إِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ قَوْمِكَ أَهْلُ أَبْيَاتٍ ، وَقَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِرَضْخٍ ، فَاقْبِضْهُ فَاقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ ، فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَوْ أَمَرْتَ لَهُ غَيْرِي . قَالَ : فَاقْبِضْهُ أَيُّهَا الْمَرْءُ ، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَهُ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَأُ ، فَقَالَ : هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَالزُّبَيْرِ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَسْتَأْذِنُونَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَأَذِنَ لَهُمْ ، فَدَخَلُوا فَسَلَّمُوا ، وَجَلَسُوا ، ثُمَّ جَلَسَ يَرْفَأُ يَسِيرًا ، ثُمَّ قَالَ : هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ ، وَعَبَّاسٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَأَذِنَ لَهُمَا ، فَدَخَلَا فَسَلَّمَا فَجَلَسَا ، فَقَالَ عَبَّاسٌ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا - وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَالِ بَنِي النَّضِيرِ - فَقَالَ الرَّهْطُ - عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ - : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهُمَا ، وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ . قَالَ عُمَرُ : تَيْدَكُمْ ؛ أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ؟ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسَهُ .

قَالَ الرَّهْطُ : قَدْ قَالَ ذَلِكَ . فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ ، وَعَبَّاسٍ فَقَالَ : أَنْشُدُكُمَا اللَّهَ ، أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ ذَلِكَ ؟ قَالَا : قَدْ قَالَ ذَلِكَ . قَالَ عُمَرُ : فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ ، ثُمَّ قَرَأَ : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ - إِلَى قَوْلِهِ : - قَدِيرٌ ، فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاللَّهِ مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ ، وَلَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ ، قَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَبَثَّهَا فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَالُ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ ، فَعَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ حَيَاتَهُ ، أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ ، هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ ، وَعَبَّاسٍ : أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ ، هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ ؟ قَالَ عُمَرُ : ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَبَضَهَا أَبُو بَكْرٍ ، فَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ فِيهَا لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ، ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ ، فَكُنْتُ أَنَا وَلِيَّ أَبِي بَكْرٍ ، فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ مِنْ إِمَارَتِي ، أَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَا عَمِلَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي فِيهَا لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي تُكَلِّمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ ، جِئْتَنِي يَا عَبَّاسُ تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ ، وَجَاءَنِي هَذَا - يُرِيدُ عَلِيًّا - يُرِيدُ نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا ، فَقُلْتُ لَكُمَا : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ، فَلَمَّا بَدَا لِي أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْكُمَا قُلْتُ : إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلَانِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبِمَا عَمِلَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَبِمَا عَمِلْتُ فِيهَا مُنْذُ وَلِيتُهَا ، فَقُلْتُمَا : ادْفَعْهَا إِلَيْنَا ، فَبِذَلِكَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا ، فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ ؟ قَالَ الرَّهْطُ : نَعَمْ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ ، وَعَبَّاسٍ فَقَالَ : أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ ؟ قَالَا : نَعَمْ ، قَالَ : فَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ ؟ فَوَاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ ؛ فَإِنِّي أَكْفِيكُمَاهَا .

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : حَدِيثُ عُمَرَ مَعَ الْعَبَّاسِ ، وَعَلِيٍّ ، وَقَعَ قَبْلَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ قِصَّةُ فَدَكَ ، وَكَأَنَّهَا تَرْجَمَةٌ لِحَدِيثٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ أَمْرَ فَدَكٍ فِي الَّذِي قَبْلَهُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرَوِيُّ ) هُوَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ الَّذِي تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَابِ قِتَالِ الْيَهُودِ ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصُّلْحِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ شَبُّوَيْهِ ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَرَوِيُّ وَهُوَ مَقْلُوبٌ ، وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ مِثْلَهُ ، قَالَ : وَهُوَ وَهْمٌ . قُلْتُ : وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا رَوَاهُ مَالِكٌ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ .

وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ لَطِيفَةٌ مِنْ عُلُومِ الْحَدِيثِ ، مِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَهِيَ تَشَابُهُ الطَّرَفَيْنِ ، مِثَالُهُ مَا وَقَعَ هُنَا : ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَعَنْهُ مَالِكٌ ، الْأَعْلَى ابْنُ أَوْسٍ ، وَالْأَدْنَى ابْنُ أَنَسٍ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرٍ ) أَيْ : ابْنُ مُطْعِمٍ ( قَدْ ذَكَرَ لِي ذِكْرًا مِنْ حَدِيثِهِ ذَلِكَ ) أَيْ : الْآتِي ذِكْرُهُ . قَوْلُهُ : ( فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ ) كَذَا فِيهِ بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَةِ فِي مَوْضِعِ الْمَاضِي فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَهِيَ مُبَالَغَةٌ لِإِرَادَةِ اسْتِحْضَارِ صُورَةِ الْحَالِ ، وَيَجُوزُ ضَمُّ أَدْخُلَ عَلَى أَنَّ حَتَّى عَاطِفَةً ، أَيِ : انْطَلَقْتُ فَدَخَلْتُ ، وَالْفَتْحُ عَلَى أَنَّ حَتَّى بِمَعْنَى إِلَى أَنْ .

قَوْلُهُ : ( مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ ) ابْنِ الْحَدَثَانِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالْمُثَلَّثَةِ ، وَهُوَ نَصْرِيٌّ بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ ، وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ ، وَأَمَّا هُوَ فَقَدْ ذُكِرَ فِي الصَّحَابَةِ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ : لَا تَصِحُّ لَهُ صُحْبَةٌ ، وَحَكَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ ، عَنْ مُصْعَبٍ - أَوْ غَيْرِهِ - أَنَّهُ رَكِبَ الْخَيْلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، قُلْتُ : فَعَلَى هَذَا لَعَلَّهُ لَمْ يَدْخُلِ الْمَدِينَةَ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَمَا وَقَعَ لِقَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ؛ دَخَلَ أَبُوهُ وَصَحِبَ ، وَتَأَخَّرَ هُوَ مَعَ إِمْكَانِ ذَلِكَ ، وَقَدْ تَشَارَكَ أَيْضًا فِي أَنَّهُ قِيلَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إِنَّهُ أَخَذَ عَنِ الْعَشَرَةِ . وَلَيْسَ لِمَالِكِ بْنِ أَوْسٍ هَذَا فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ فِي الْبُيُوعِ ، وَفِي صَنِيعِ ابْنِ شِهَابٍ ذَلِكَ أَصْلٌ فِي طَلَبِ عُلُوِّ الْإِسْنَادِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَنِعْ بِالْحَدِيثِ عَنْهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ لِيُشَافِهَهُ بِهِ ، وَفِيهِ حِرْصُ ابْنِ شِهَابٍ عَلَى طَلَبِ الْحَدِيثِ وَتَحْصِيلِهِ . ( تَنْبِيهٌ ) : ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ الزُّهْرِيَّ تَفَرَّدَ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْكَرَابِيسِيُّ : أَنْكَرَهُ قَوْمٌ ، وَقَالُوا : هَذَا مِنْ مُسْتَنْكَرِ مَا رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ ، قَالَ : فَإِنْ كَانُوا عَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْدٍ فَهَيْهَاتَ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا فَهُوَ جَهْلٌ ، فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ ، عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ ، وَأَيُّوبُ بْنُ خَالِدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، وَغَيْرُهُمْ .

قَوْلُهُ : ( حِينَ مَتَعَ النَّهَارُ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُثَنَّاةِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ، أَيْ : عَلَا وَامْتَدَّ ، وَقِيلَ : هُوَ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَةَ ، عَنْ مَالِكٍ : حِينَ تَعَالَى النَّهَارُ ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ : بَعْدَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ . قَوْلُهُ : ( إِذَا رَسُولُ عُمَرَ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ يَرْفَأَ الْحَاجِبَ الْآتِي ذِكْرُهُ . قَوْلُهُ : ( عَلَى رِمَالِ سَرِيرٍ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَقَدْ تُضَمُّ ، وَهُوَ مَا يُنْسَجُ مِنْ سَعَفِ النَّخْلِ .

وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : هُوَ السَّرِيرُ الَّذِي يُعْمَلُ مِنَ الْجَرِيدِ ، وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ : فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِهِ جَالِسًا عَلَى سَرِيرٍ مُفْضِيًا إِلَى رِمَالِهِ ، أَيْ : لَيْسَ تَحْتَهُ فِرَاشٌ ، وَالْإِفْضَاءُ إِلَى الشَّيْءِ لَا يَكُونُ بِحَائِلٍ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعَادَةَ أَنْ يَكُونَ عَلَى السَّرِيرِ فِرَاشٌ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : يَا مَالُ ) كَذَا هُوَ بِالتَّرْخِيمِ أَيْ : مَالِكٌ ، وَيَجُوزُ فِي اللَّامِ الْكَسْرُ عَلَى الْأَصْلِ ، وَالضَّمُّ عَلَى أَنَّهُ صَارَ اسْمًا مُسْتَقِلًّا فَيُعْرَبُ إِعْرَابَ الْمُنَادَى الْمُفْرَدِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ قَوْمِكَ ) أَيْ : مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ .

وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ أَيْ : وَرَدَ جَمَاعَةٌ بِأَهْلِيهِمْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ، يَسِيرُونَ قَلِيلًا قَلِيلًا ، وَالدَّفِيفُ : السَّيْرُ اللَّيِّنُ ، وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَصَابَهُمْ جَدْبٌ فِي بِلَادِهِمْ فَانْتَجَعُوا الْمَدِينَةَ . قَوْلُهُ : ( بِرَضْخٍ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا خَاءٌ مُعْجَمَةٌ ، أَيْ : عَطِيَّةٍ غَيْرِ كَثِيرَةٍ وَلَا مُقَدَّرَةٍ . وَقَوْلُهُ : ( لَوْ أَمَرْتَ بِهِ غَيْرِي ) قَالَهُ تَحَرُّجًا مِنْ قَبُولِ الْأَمَانَةِ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا جَرَى لَهُ فِيهِ اكْتِفَاءً بِقَرِينَةِ الْحَالِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَبَضَهُ ؛ لِعَزْمِ عُمَرَ عَلَيْهِ ثَانِيَ مَرَّةٍ .

قَوْلُهُ : ( أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَا ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ مُشْبَعَةٌ بِغَيْرِ هَمْزٍ ، وَقَدْ تُهْمَزُ ، وَهِيَ رِوَايَتُنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ ، وَيَرْفَا هَذَا كَانَ مِنْ مَوَالِي عُمَرَ ، أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَلَا تُعْرَفُ لَهُ صُحْبَةٌ ، وَقَدْ حَجَّ مَعَ عُمَرَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَلَهُ ذِكْرٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ لِمَوْلًى لَهُ - يُقَالُ لَهُ : يَرْفَا - : إِذَا جَاءَ طَعَامُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَأَعْلِمْنِي فَذَكَرَ قِصَّةً . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ يَرْفَا قَالَ : قَالَ لِي عُمَرُ : إِنِّي أَنْزَلْتُ نَفْسِي مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مَنْزِلَةَ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ عَاشَ إِلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ . قَوْلُهُ : ( هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ ) أَيْ : ابْنِ عَفَّانَ ( وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ) ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طَرَفِهِ زِيَادَةً عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورِينَ إِلَّا فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ ، وَعُمَرَ بْنِ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَزَادَ فِيهَا : وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْإِمَامِيِّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ أَيْضًا ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ قَالَ : دَخَلَ الْعَبَّاسُ ، وَعَلِيٌّ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا ، وَفِيهَا ذُكِرَ طَلْحَةُ ، لَكِنْ لَمْ يُذْكَرْ عُثْمَانُ .

قَوْلُهُ : ( فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ فِي الْمَغَازِي : فَأَدْخَلَهُمْ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَالَ : هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ ، وَعَبَّاسٍ ؟ ) زَادَ شُعَيْبٌ : يَسْتَأْذِنَانِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ عَبَّاسٌ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا ) زَادَ شُعَيْبٌ ، وَيُونُسُ : فَاسْتَبَّ عَلِيٌّ ، وَعَبَّاسٌ ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الْفَرَائِضِ : اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الظَّالِمِ ؛ اسْتَبَّا وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ : وَبَيْنَ هَذَا الْكَاذِبِ الْآثِمِ الْغَادِرِ الْخَائِنِ ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ أَنَّهُ صَدَرَ مِنْ عَلِيٍّ فِي حَقِّ الْعَبَّاسِ شَيْءٌ بِخِلَافِ مَا يُفْهِمُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ : اسْتَبَّا ، وَاسْتَصْوَبَ الْمَازِرِيُّ صَنِيعَ مَنْ حَذَفَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَالَ : لَعَلَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ وَهِمَ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً ، فَأَجْوَدُ مَا تُحْمَلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَهَا دَلَالًا عَلَى عَلِيٍّ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ ، فَأَرَادَ رَدْعَهُ عَمَّا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُخْطِئٌ فِيهِ ، وَأَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ يَتَّصِفُ بِهَا لَوْ كَانَ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ عَنْ عَمْدٍ ، قَالَ : وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ ؛ لِوُقُوعِ ذَلِكَ بِمَحْضَرِ الْخَلِيفَةِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ ، وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهُمْ إِنْكَارٌ لِذَلِكَ مَعَ مَا عُلِمَ مِنْ تَشَدُّدِهِمْ فِي إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ .

قَوْلُهُ : ( وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ مَالِ بَنِي النَّضِيرِ ) يَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ قَرِيبًا . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ الرَّهْطُ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَقَالَ الْقَوْمُ وَزَادَ : فَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ : يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا قَدَّمُوهُمْ لِذَلِكَ ، قُلْتُ : وَرَأَيْتُ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ : فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ : اقْضِ بَيْنَهُمَا ، فَأَفَادَتْ تَعْيِينَ مَنْ بَاشَرَ سُؤَالَ عُمَرَ فِي ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( تَئِيدَكُمْ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ التَّحْتَانِيَّةِ مَهْمُوزٌ ، وَفَتْحِ الدَّالِ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ أَصْلُهَا : تَيْدَكُمْ ، وَالتُّؤَدَةُ : الرِّفْقُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الدَّالِ ، وَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ كَرُوَيْدًا ، أَيِ : اصْبِرُوا وَأَمْهِلُوا وَعَلَى رِسْلِكُمْ .

وَقِيلَ : إِنَّهُ مَصْدَرُ تَادَ يَتِيدُ ، كَمَا يُقَالُ : سِيرُوا سَيْرَكُمْ ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ فِي اللُّغَةِ . وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ ، وَشُعَيْبٍ : أَتِيدُوا أَيْ : تَمَهَّلُوا ، وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ مَالِكٍ : فَقَالَ عُمَرُ : ايْتَدْ بِلَفْظِ الْأَمْرِ لِلْمُفْرَدِ . قَوْلُهُ : ( أَنْشُدُكُمَا ، أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ ذَلِكَ ؟ ) كَذَا فِيهِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : قَالَا : نَعَمْ وَمَعْنَى أَنْشُدُكُمَا : أَسْأَلُكُمَا رَافِعًا نَشْدِي ، أَيْ : صَوْتِي .

قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِخَاصَّةٍ لَمْ يَخْصُصْ بِهَا غَيْرَهُ وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي التَّفْسِيرِ : كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ، فَكَانَتْ لَهُ خَاصَّةً ، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْهَا نَفَقَةَ سَنَةٍ ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ الْآتِيَةِ فِي النَّفَقَاتِ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ ، وَيَحْبِسُ لِأَهْلِهِ قوْتَ سَنَتِهِمْ أَيْ : ثَمَرَ النَّخْلِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثُ صَفَايَا : بَنُو النَّضِيرِ ، وَخَيْبَرُ ، وَفَدَكُ . فَأَمَّا بَنُو النَّضِيرِ فَكَانَتْ حَبْسًا لِنَوَائِبِهِ ، وَأَمَّا فَدَكُ فَكَانَتْ حَبْسًا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ ، وَأَمَّا خَيْبَرُ فَجَزَّأَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ قَسَّمَ جُزْءًا لِنَفَقَةِ أَهْلِهِ ، وَمَا فَضَلَ مِنْهُ جَعَلَهُ فِي فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يُقَسِّمَ فِي فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ، وَفِي مُشْتَرَى السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ ، وذلك مُفَسِّرٌ‌ لِرِوَايَةِ مَعْمَرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ مِنْهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ . وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ الْمَذْكُورَةِ : وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِفَضْلِهِ ، وَهَذَا لَا يُعَارِضُ حَدِيثَ عَائِشَةَ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عَلَى شَعِيرٍ ؛ لِأَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ كَانَ يَدَّخِرُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ ، ثُمَّ فِي طُولِ السَّنَةِ يَحْتَاجُ لِمَنْ يَطْرُقُهُ إِلَى إِخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْهُ فَيُخْرِجُهُ ، فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُعَوِّضَ مَنْ يَأْخُذُ مِنْهَا عِوَضَهُ ، فَلِذَلِكَ اسْتَدَانَ .

قَوْلُهُ : ( مَا احْتَازَهَا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَزَايٍ مُعْجَمَةٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ ، هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُخْتَصًّا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَّا أَنَّهُ وَاسَى بِهِ أَقْرِبَاءَهُ وَغَيْرَهُمْ بِحَسَبِ حَاجَتِهِمْ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ ابْنِ خَالِدٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ ، وَعَبَّاسٍ : أَنْشُدُكُمَا اللَّهَ ، هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ ؟ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ : قَالَا نَعَمْ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَبَضَهَا أَبُو بَكْرٍ ، فَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ : وَأَنْتُمَا حِينَئِذٍ - وَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ ، وَعَبَّاسٍ - تَزْعُمَانِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَذَا وَكَذَا وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ : كَمَا تَقُولَانِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنَ الزِّيَادَةِ : فَجِئْتُمَا ، تَطْلُبُ مِيرَاثَكَ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ ، وَيَطْلُبُ هَذَا مِيرَاثَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ، فَرَأَيْتُمَا كَاذِبًا آثِمًا غَادِرًا خَائِنًا وَكَأَنَّ الزُّهْرِيَّ كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ تَارَةً فَيُصَرِّحُ ، وَتَارَةً فَيُكَنِّي ، وَكَذَلِكَ مَالِكٌ .

وَقَدْ حُذِفَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ عَنْهُ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِ . وَهُوَ نَظِيرُ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِ الْعَبَّاسِ ، لِعَلِيٍّ . وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ حُذِفَتْ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ الْفَرَوِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ عَنْهُ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَعَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ كِلَاهُمَا عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ عَلَى مَا قَالَ جُوَيْرِيَةُ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَاجْتِمَاعُ هَؤُلَاءِ عَنْ مَالِكٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ حَفِظُوهُ ، وَهَذَا الْقَدْرُ الْمَحْذُوفُ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ ثَبَتَ مِنْ رِوَايَتِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الْحَدِيثِ ، لَكِنْ جَعَلَ الْقِصَّةَ فِيهِ لِعُمَرَ حَيْثُ قَالَ : جِئْتَنِي يَا عَبَّاسُ ، تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ وَفِيهِ : فَقُلْتُ لَكُمَا : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ فَاشْتَمَلَ هَذَا الْفَصْلُ عَلَى مُخَالَفَةِ إِسْحَاقَ لِبَقِيَّةِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِي كَوْنِهِمْ جَعَلُوا الْقِصَّةَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ ، وَجَعَلُوا الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ عَنْهُ وَإِسْحَاقُ الْفَرَوِيُّ جعلَ الْقِصَّةَ عِنْدَ عُمَرَ وَجَعَلَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِغَيْرِ وَاسِطَةِ أَبِي بَكْرٍ .

وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَظِيرُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ الْفَرَوِيِّ سَوَاءً ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عُقَيْلٍ الْآتِيَةُ فِي الْفَرَائِضِ ، فَاقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ عِنْدَ عُمَرَ بِغَيْرِ ذِكْرِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ أَصْلًا ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ لِسِيَاقِ إِسْحَاقَ الْفَرَوِيِّ أَصْلًا ، فَلَعَلَّ الْقِصَّتَيْنِ مَحْفُوظَتَانِ ، وَاقْتَصَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَلَى مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ مِنَ الشُّرَّاحِ لِبَيَانِ ذَلِكَ ، وَفِي ذَلِكَ إِشْكَالٌ شَدِيدٌ وَهُوَ أَنَّ أَصْلَ الْقِصَّةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْعَبَّاسَ ، وَعَلِيًّا قَدْ عَلِمَا بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ ، فَإِنْ كَانَا سَمِعَاهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْفَ يَطْلُبَانِهِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ ؟ وَإِنْ كَانَا إِنَّمَا سَمِعَاهُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ أَوْ فِي زَمَنِهِ بِحَيْثُ أَفَادَ عِنْدَهُمَا الْعِلْمُ بِذَلِكَ ، فَكَيْفَ يَطْلُبَانِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ ؟ وَالَّذِي يَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - حَمْلُ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ فِي حَقِّ فَاطِمَةَ ، وَأَنَّ كُلًّا مِنْ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْعَبَّاسِ اعْتَقَدَ أَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ : لَا نُورَثُ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ مَا يَخْلُفُهُ دُونَ بَعْضٍ ، وَلِذَلِكَ نَسَبَ عُمَرُ إِلَى عَلِيٍّ ، وَعَبَّاسٍ ، أَنَّهُمَا كَانَا يَعْتَقِدَانِ ظُلْمَ مَنْ خَالَفَهُمَا فِي ذَلِكَ . وَأَمَّا مُخَاصَمَةُ عَلِيٍّ ، وَعَبَّاسٍ بَعْدَ ذَلِكَ ثَانِيًا عِنْدَ عُمَرَ ، فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِيمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ : لَمْ يَكُنْ فِي الْمِيرَاثِ ، إِنَّمَا تَنَازَعَا فِي وِلَايَةِ الصَّدَقَةِ ، وَفِي صَرْفِهَا كَيْفَ تُصْرَفُ ؟ كَذَا قَالَ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ ، وَعُمَرَ بْنِ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا أَرَادَا أَنْ يُقَسَّمَ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْمِيرَاثِ ، وَلَفْظُهُ فِي آخِرِهِ : ثُمَّ جِئْتُمَانِي الْآنَ تَخْتَصِمَانِ ، يَقُولُ هَذَا : أُرِيدُ نَصِيبِي مِنَ ابْنِ أَخِي ، وَيَقُولُ هَذَا : أُرِيدُ نَصِيبِي مِنَ امْرَأَتِي ، وَاللَّهِ لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا إِلَّا بِذَلِكَ ، أَيْ : إِلَّا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَسْلِيمِهَا لَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْوِلَايَةِ . وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ نَحْوَهُ .

وَفِي السُّنَنِ لِأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ : أَرَادَا أَنَّ عُمَرَ يُقَسِّمُهَا لِيَنْفَرِدَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِنَظَرِ مَا يَتَوَلَّاهُ ، فَامْتَنَعَ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَرَادَ أَنْ لَا يَقَعَ عَلَيْهَا اسْمُ قَسْمٍ ، وَلِذَلِكَ أَقْسَمَ عَلَى ذَلِكَ ، وَعَلَى هَذَا اقْتَصَرَ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ وَاسْتَحْسَنُوهُ ، وَفِيهِ مِنَ النَّظَرِ مَا تَقَدَّمَ . وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ جَزْمُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ ثُمَّ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ بِأَنَّ عَلِيًّا ، وَعَبَّاسًا لَمْ يَطْلُبَا مِنْ عُمَرَ إِلَّا ذَلِكَ ، مَعَ أَنَّ السِّيَاقَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمَا جَاءَاهُ مَرَّتَيْنِ فِي طَلَبِ شَيْءٍ وَاحِدٍ ، لَكِنَّ الْعُذْرَ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ ، وَالنَّوَوِيِّ أَنَّهُمَا شَرَحَا اللَّفْظَ الْوَارِدَ فِي مُسْلِمٍ دُونَ اللَّفْظِ الْوَارِدِ فِي الْبُخَارِيِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُ عَمَرَ : جِئْتَنِي يَا عَبَّاسُ تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ ، فَإِنَّمَا عَبَّرَ بِذَلِكَ لِبَيَانِ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ ، كَيْفَ يُقْسَمُ أَنْ لَوْ كَانَ هُنَاكَ مِيرَاثٌ ، لَا أَنَّهُ أَرَادَ الْغَضَّ مِنْهُمَا بِهَذَا الْكَلَامِ ، وَزَادَ الْإِمَامِيُّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ فِي آخِرِهِ : فَأَصْلِحَا أَمْرَكُمَا ، وَإِلَّا لَمْ يَرْجِعْ وَاللَّهِ إِلَيْكُمَا ، فَقَامَا وَتَرَكَا الْخُصُومَةَ وَأُمْضِيَتْ صَدَقَةً .

وَزَادَ شُعَيْبٌ فِي آخِرِهِ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَحَدَّثْتُ بِهِ عُرْوَةَ فَقَالَ : صَدَقَ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ ، أَنَا سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ فَذَكَرَ حَدِيثًا . قَالَ : وَكَانَتْ هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِيَدِ عَلِيٍّ مَنَعَهَا عَبَّاسًا فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا ، ثُمَّ كَانَتْ بِيَدِ الْحَسَنِ ، ثُمَّ بِيَدِ الْحُسَيْنِ ، ثُمَّ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَالْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ ، ثُمَّ بِيَدِ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَهِيَ صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقًّا ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَهُ ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ : قَالَ مَعْمَرٌ : ثُمَّ كَانَتْ بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ حَتَّى وَلِيَ هَؤُلَاءِ - يَعْنِي بَنِي الْعَبَّاسِ - فَقَبَضُوهَا . وَزَادَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي أَنَّ إِعْرَاضَ الْعَبَّاسِ عَنْهَا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ ، قَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ : سَمِعْتُ أَبَا غَسَّانَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَدَنِيُّ يَقُولُ : إِنَّ الصَّدَقَةَ الْمَذْكُورَةَ الْيَوْمَ بِيَدِ الْخَلِيفَةِ يَكْتُبُ فِي عَهْدِهِ يُوَلِّي عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِهِ مَنْ يَقْبِضُهَا ، وَيُفَرِّقُهَا فِي أَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ .

قُلْتُ : كَانَ ذَلِكَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ ، ثُمَّ تَغَيَّرَتِ الْأُمُورُ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَصْرِفِ الْفَيْءِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : الْفَيْءُ وَالْخُمُسُ سَوَاءٌ يُجْعَلَانِ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَيُعْطِي الْإِمَامُ أَقَارِبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ . وَفَرَّقَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ وَبَيْنَ الْفَيْءِ ، فَقَالَ : الْخُمُسُ مَوْضُوعٌ فِيمَا عَيَّنَهُ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الْأَصْنَافِ الْمُسَمَّيْنَ فِي آيَةِ الْخُمُسِ مِنْ سُورَةِ الْأَنْفَالِ ، لَا يُتَعَدَّى بِهِ إِلَى غَيْرِهِمْ ، وَأَمَّا الْفَيْءُ فَهُوَ الَّذِي يَرْجِعُ النَّظَرُ فِي مَصْرِفِهِ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ ، وَانْفَرَدَ الشَّافِعِيُّ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْفَيْءَ يُخَمَّسُ ، وَأَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَهُ خُمُسُ الْخُمُسِ كَمَا فِي الْغَنِيمَةِ ، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْخُمُسِ لِمُسْتَحِقِّ نَظِيرِهَا مِنَ الْغَنِيمَةِ ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ : مَصْرِفُ الْفَيْءِ كُلُّهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ عُمَرَ : فَكَانَتْ هَذِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً وَتَأَوَّلَ الشَّافِعِيُّ قَوْلَ عُمَرَ الْمَذْكُورَ بِأَنَّهُ يُرِيدُ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ .

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ فِي بَابِ فَرْضِ الْخُمُسِ أَنَّ الَّذِي سَأَلَتْ فَاطِمَةُ أَنْ تَأْخُذَهُ مِنْ جُمْلَتِهِ خَيْبَرُ ، وَالْمُرَادُ بِهِ سَهْمُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا وَهُوَ الْخُمُسُ ، وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي بِلَفْظِ : مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ ، وَفَدَكَ ، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَ كُلِّ قَبِيلَةٍ كَبِيرُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِاسْتِحْقَاقِ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ ، وَأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَادِيَ الرَّجُلَ الشَّرِيفَ الْكَبِيرَ بِاسْمِهِ وَبِالتَّرْخِيمِ حَيْثُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ تَنْقِيصَهُ ، وَفِيهِ اسْتِعْفَاءُ الْمَرْءِ مِنَ الْوِلَايَةِ ، وَسُؤَالُهُ الْإِمَامَ ذَلِكَ بِالرِّفْقِ ، وَفِيهِ اتِّخَاذُ الْحَاجِبِ ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ ، وَالشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ فِي إِنْفَاذِ حُكْمٍ وَتَبْيِينِ الْحَاكِمِ وَجْهَ حُكْمِهِ ، وَفِيهِ إِقَامَةُ الْإِمَامِ مَنْ يَنْظُرُ عَلَى الْوَقْفِ نِيَابَةً عَنْهُ ، وَالتَّشْرِيكُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ فِي ذَلِكَ . وَمِنْهُ يُؤْخَذُ جَوَازُ أَكْثَرِ مِنْهُمَا بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ ، وَفِيهِ جَوَازُ الِادِّخَارِ خِلَافًا لِقَوْلِ مَنْ أَنْكَرَهُ مِنْ مُشَدِّدِي الْمُتَزَهِّدِينَ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ ، وَفِيهِ جَوَازُ اتِّخَاذِ الْعَقَارِ ، وَاسْتِغْلَالِ مَنْفَعَتِهِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ اتِّخَاذِ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا النَّمَاءُ ، وَالْمَنْفَعَةُ مِنْ زِرَاعَةٍ وَتِجَارَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا قَامَ عِنْدَهُ الدَّلِيلُ صَارَ إِلَيْهِ وَقَضَى بِمُقْتَضَاهُ ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ ، وَأَنَّ الْأَتْبَاعَ إِذَا رَأَوْا مِنَ الْكَبِيرِ انْقِبَاضًا لَمْ يُفَاتِحُوهُ حَتَّى يُفَاتِحَهُمْ بِالْكَلَامِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنَ الْفَيْءِ وَلَا خُمُسَ الْغَنِيمَةِ إِلَّا قَدْرَ حَاجَتِهِ وَحَاجَةِ مَنْ يُمَوِّنُهُ ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ لَهُ فِيهِ التَّصَرُّفُ بِالْقَسْمِ ، وَالْعَطِيَّةِ .

وَقَالَ آخَرُونَ : لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مِلْكَ رَقَبَةِ مَا غَنِمَهُ ، وَإِنَّمَا مَلَّكَهُ مَنَافِعَهُ ، وَجَعَلَ لَهُ مِنْهُ قَدْرَ حَاجَتِهِ ، وَكَذَلِكَ الْقَائِمُ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ . وَقَالَ ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُورَثُ : احْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ قَالَ : أَمَّا مَنْ أَنْكَرَ الْعُمُومَ فَلَا اسْتِغْرَاقَ عِنْدَهُ لِكُلِّ مَنْ مَاتَ أَنَّهُ يُورَثُ ، وَأَمَّا مَنْ أَثْبَتَهُ فَلَا يُسَلِّمُ دُخُولَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ ، وَلَوْ سَلَّمَ دُخُولَهُ لَوَجَبَ تَخْصِيصُهُ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ ، وَخَبَرُ الْآحَادِ يُخَصِّصُ وَإِنْ كَانَ لَا يَنْسَخُ ، فَكَيْفَ بِالْخَبَرِ إِذَا جَاءَ مِثْلَ مَجِيءِ هَذَا الْخَبَرِ وَهُوَ : لَا نُورَثُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث