بَاب مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ وَغَيْرَهُمْ مِنْ الْخُمُسِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيُّ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَهُ النَّاسُ مُقْبِلًا مِنْ حُنَيْنٍ ، عَلِقَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ ، فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَعْطُونِي رِدَائِي ، فَلَوْ كَانَ عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ، ثُمَّ لَا تَجِدُونني بَخِيلًا وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًا . خَامِسُهَا حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي إِسْنَادِهِ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ ، وَصَالِحٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ فِي بَابِ الشَّجَاعَةِ فِي الْحَرْبِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَى بَعْضِ شَرْحِ الْمَتْنِ ، وَقَوْلُهُ مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ أَيْ مَرْجِعَهُ ، كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَوَقَعَ لِغَيْرِهِ هُنَا مُقْبِلًا وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ . وَ السَّمُرَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ شَجَرَةٌ طَوِيلَةٌ مُتَفَرِّقَةُ الرَّأْسِ قَلِيلَةُ الظِّلِّ صَغِيرَةُ الْوَرَقِ وَالشَّوْكِ صُلْبَةُ الْخَشَبِ قَالَهُ ابْنُ التِّينِ ، وَقَالَ الْقَزَّازُ : وَالْعِضَاهُ شَجَرُ الشَّوْكِ كَالطَّلْحِ وَالْعَوْسَجِ وَالسِّدْرِ ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : السَّمُرَةُ هِيَ الْعِضَاهُ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَرَقُ السَّمُرَةِ أَثْبَتُ وَظِلُّهَا أَكْثَفُ ، وَيُقَالُ هِيَ شَجَرَةُ الطَّلْحِ .
وَاخْتُلِفَ فِي وَاحِدَةِ الْعِضَاهِ فَقِيلَ عَضَةٌ بِفَتْحَتَيْنِ مِثْلُ شَفَةٍ وَشِفَاهُ ، وَالْأَصْلُ عَضْهَةٌ وَشَفَهَةٌ فَحُذِفَتِ الْهَاءُ ، وَقِيلَ وَاحِدُهَا عِضَاهَةٌ . قَوْلُهُ : ( فَخَطَفَتْ رِدَاءَهُ ) فِي مُرْسَلِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ حَتَّى عَدَلُوا بِنَاقَتِهِ عَنِ الطَّرِيقِ ، فَمَرَّ بِسَمُرَاتٍ فَانْتَهَسْنَ ظَهْرَهُ وَانْتَزَعْنَ رِدَاءَهُ فَقَالَ : نَاوِلُونِي رِدَائِي فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَفِيهِ فَنَزَلَ وَنَزَلَ النَّاسُ مَعَهُ ، فَأَقْبَلَتْ هَوَازِنُ فَقَالُوا : جِئْنَا نَسْتَشْفِعُ بِالْمُؤْمِنِينَ إِلَيْكَ ، وَنَسْتَشْفِعُ بِكَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ . وَفِيهِ ذَمُّ الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ الْبُخْلُ وَالْكَذِبُ وَالْجُبْنُ ، وَأَنَّ إِمَامَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهَا .
وَفِيهِ مَا كَانَ فِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْحِلْمِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ وَسَعَةِ الْجُودِ وَالصَّبْرِ عَلَى جُفَاةِ الْأَعْرَابِ . وَفِيهِ جَوَازُ وَصْفِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ بِالْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ كَخَوْفِ ظَنِّ أَهْلِ الْجَهْلِ بِهِ خِلَافَ ذَلِكَ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الْفَخْرِ الْمَذْمُومِ . وَفِيهِ رِضَا السَّائِلِ لِلْحَقِّ بِالْوَعْدِ إِذَا تَحَقَّقَ عَنِ الْوَاعِدِ التَّنْجِيزُ .
وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي قَسْمِ الْغَنِيمَةِ إِنْ شَاءَ بَعْدَ فَرَاغِ الْحَرْبِ وَإِنْ شَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ .