بَاب مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
وَرَوَى عِيسَى ، عَنْ رَقَبَةَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : قَامَ فِينَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامًا ، فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ . الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ عُمَرَ قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامًا فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةَ مَنَازِلَهُمْ الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( وَرَوَى عِيسَى ، عَنْ رَقَبَةَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَسَقَطَ مِنْهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ ابْنُ الْفَلَكِيِّ : يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ عِيسَى ، وَرَقَبَةَ ، أَبُو حَمْزَةَ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو مَسْعُودٍ ، وَقَالَ الطَّرْقِيُّ : سَقَطَ أَبُو حَمْزَةَ مِنْ كِتَابِ الْفَرَبْرِيِّ وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ شَاكِرٍ ، فَعِنْدَهُ عَنِ الْبُخَارِيِّ : رَوَى عِيسَى ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ رَقَبَةَ قَالَ وَكَذَا قَالَ ابْنُ رُمَيْحٍ ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ ، قُلْتُ : وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَهُوَ يَرْوِي الصَّحِيحَ عَنِ الْجُرْجَانِيِّ ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ ، فَالِاخْتِلَافُ فِيهِ حِينَئِذٍ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ أَسْقَطَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ ، لَكِنْ جَعَلَ بَيْنَ عِيسَى ، وَرَقَبَةَ ضَبَّةَ ، وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ أَبَا حَمْزَةَ أَلْحَقَ فِي رِوَايَةِ الْجُرْجَانِيِّ وَقَدْ وَصَفُوهُ بِقِلَّةِ الْإِتْقَانِ ، وَعِيسَى الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ مُوسَى الْبُخَارِيُّ وَلَقَبُهُ غُنْجَارٌ بِمُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ نُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ جِيمٍ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ ، وَقَدْ وَصَلَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى الْمَذْكُورِ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ السُّكَّرِيُّ ، عَنْ رَقَبَةَ ، الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ رَقَبَةَ الْمَذْكُورِ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ ابْنُ مَصْقَلَةَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَقَدْ تُبْدَلُ سِينًا بَعْدَهَا قَافٌ ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ عِيسَى فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ نَحْوَهُ ، لَكِنْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ .
قَوْلُهُ : ( حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ ) هِيَ غَايَةُ قَوْلِهِ أَخْبَرَنَا أَيْ أَخْبَرَنَا عَنْ مُبْتَدَأِ الْخَلْقِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إِلَى أَنِ انْتَهَى الْإِخْبَارُ عَنْ حَالِ الِاسْتِقْرَارِ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، وَوَضَعَ الْمَاضِيَ مَوْضِعَ الْمُضَارِعِ مُبَالَغَةً لِلتَّحَقُّقِ الْمُسْتَفَادُ مِنْ خَبَرِ الصَّادِقِ ، وَكَانَ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ : حَتَّى يَدْخُلَ ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَخْبَرَ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ بِجَمِيعِ أَحْوَالِ الْمَخْلُوقَاتِ مُنْذُ ابْتُدِئَتْ إِلَى أَنْ تَفْنَى إِلَى أَنْ تُبْعَثَ ، فَشَمِلَ ذَلِكَ الْإِخْبَارَ عَنِ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ ، وَفِي تَيْسِيرِ إِيرَادِ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَةِ أَمْرٌ عَظِيمٌ ، وَيَقْرَبُ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِ مُعْجِزَاتِهِ لَا مِرْيَةَ فِي كَثْرَتِهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ ، وَمِثْلُ هَذَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ ، فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى : هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ ثُمَّ أَجْمَلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا ، ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ مِثْلَهُ فِي أَهْلِ النَّارِ ، وَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : فَقَالَ بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُمَا ثُمَّ قَالَ : فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ الْعِبَادِ ، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ . وَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ تَيْسِيرُ الْقَوْلِ الْكَثِيرِ فِي الزَّمَنِ الْقَلِيلِ ، وَهَذَا فِيهِ تَيْسِيرُ الْجُرْمِ الْوَاسِعِ فِي الظَّرْفِ الضَّيِّقِ ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ : فَنَبَذَهُمَا بَعْدَ قَوْلِهِ : وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ أَنَّهُمَا كَانَا مَرْئِيَّيْنِ لَهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلِحَدِيثِ الْبَابِ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْقَدَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ .
ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ كَذَلِكَ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ ، فَحَدَّثَنَا بِمَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا لَفْظُ أَحْمَدَ . وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ مُطَوَّلًا ، وَتَرْجَمَ لَهُ بَابُ مَا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ سَاقَهُ بِلَفْظِ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا صَلَاةَ الْعَصْرِ ثُمَّ قَامَ يُحَدِّثُنَا فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا أَخْبَرَنَا بِهِ ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ وَقَالَ : حَسَنٌ . وَفِي الْبَابِ عَنْ حُذَيْفَةَ ، وَأَبِي زَيْدِ بْنِ أَخْطَبَ ، وَأَبِي مَرْيَمَ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، انْتَهَى .
وَلَمْ يَقَعْ لَهُ حَدِيثُ عُمَرَ حَدِيثُ الْبَابِ وَهُوَ عَلَى شَرْطِهِ ، وَأَفَادَ حَدِيثُ أَبِي زَيْدٍ بَيَانَ الْمَقَامِ الْمَذْكُورِ زَمَانًا وَمَكَانًا فِي حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَأَنَّهُ كَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى أَنْ غَابَتِ الشَّمْسُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .