بَاب مَا جَاءَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ
بَاب مَا جَاءَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَـزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ السَّمَاءُ . سَمْكَهَا بِنَاءَهَا . الْحُبُكُ : اسْتِوَاؤُهَا وَحُسْنُهَا .
وَأَذِنَتْ سَمِعَتْ وَأَطَاعَتْ . وَأَلْقَتْ أَخْرَجَتْ مَا فِيهَا مِنْ الْمَوْتَى ، وَتَخَلَّتْ عَنْهُمْ . طَحَاهَا أي : دَحَاهَا .
بِالسَّاهِرَةِ وَجْهُ الْأَرْضِ ، كَانَ فِيهَا الْحَيَوَانُ نَوْمُهُمْ وَسَهَرُهُمْ . 3195 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ ، فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ - فَقَالَتْ : يَا أَبَا سَلَمَةَ اجْتَنِبْ الْأَرْضَ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا جَاءَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ ) أَوْ فِي بَيَانِ وَضْعِهَا .
قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ الْآيَةَ ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَرَضِينَ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ مِثْلُ السَّمَاوَاتِ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ الْمِثْلِيَّةَ فِي الْعَدَدِ خَاصَّةً وَأَنَّ السَّبْعَ مُتَجَاوِرَةٌ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْأَرْضَ وَاحِدَةٌ ، قَالَ : وَهُوَ مَرْدُودٌ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ . قُلْتُ : لَعَلَّهُ الْقَوْلُ بِالتَّجَاوُرِ ، وَإِلَّا فَيَصِيرُ صَرِيحًا فِي الْمُخَالَفَةِ ، وَيَدُلُّ لِلْقَوْلِ الظَّاهِرِ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ قَالَ : فِي كُلِّ أَرْضٍ مِثْلُ إِبْرَاهِيمَ ، وَنَحْوُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْخَلْقِ ، هَكَذَا أَخْرَجَهُ مُخْتَصَرًا وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُطَوَّلًا ، وَأَوَّلَهُ أَيْ سَبْعَ أَرَضِينَ فِي كُلِّ أَرْضٍ آدَمُ كَآدَمِكُمْ وَنُوحٌ كَنُوحِكُمْ وَإِبْرَاهِيمُ كَإِبْرَاهِيمِكُمْ وَعِيسَى كَعِيسَى وَنَبِيٌّ كَنَبِيِّكُمْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، إِلَّا أَنَّهُ شَاذٌّ بِمُرَّةَ .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَوْ حَدَّثَكُمْ بِتَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ لَكَفَرْتُمْ وَكُفْرُكُمْ تَكْذِيبُكُمْ بِهَا . وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ وَزَادَ : وَهُنَّ مَكْتُوبَاتٌ بَعْضُهُنَّ عَلَى بَعْضٍ . وَظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَرُدُّ أَيْضًا عَلَى أَهْلِ الْهَيْئَةِ قَوْلَهُمْ أَنْ لَا مَسَافَةَ بَيْنَ كُلِّ أَرْضٍ وَأَرْضٍ وَإِنْ كَانَتْ فَوْقَهَا ، وَأَنَّ السَّابِعَةَ صَمَّاءُ لَا جَوْفَ لَهَا ، وَفِي وَسَطِهَا الْمَرْكَزُ وَهِيَ نُقْطَةٌ مُقَدَّرَةٌ مُتَوَهَّمَةٌ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَالِهِمُ الَّتِي لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا .
وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : إِنَّ بَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ ، وَأَنَّ سُمْكَ كُلِّ سَمَاءٍ كَذَلِكَ ، وَأَنَّ بَيْنَ كُلِّ أَرْضٍ وَأَرْضٍ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ وَأَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ نَحْوَهُ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَرْفُوعًا : بَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ إِحْدَى أَوِ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً وَجُمِعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ اخْتِلَافَ الْمَسَافَةِ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ بُطْءِ السَّيْرِ وَسُرْعَتِهِ . قَوْلُهُ : وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ السَّمَاءُ ) هُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ نَحْوَهُ ، وَسَيَأْتِي عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ فِي بَابِ الْمَلَائِكَةِ وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ السَّقْفُ الْمَرْفُوعُ : الْعَرْشُ ، كَذَا قَالَ ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ ، وَهُوَ يَقْتَضِي الرَّدَّ عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّ السَّمَاءَ كُرِّيَّةٌ لِأَنَّ السَّقْفَ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَا يَكُونُ كُرِّيًّا . قَوْلُهُ : سَمْكَهَا بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ ( بِنَاءَهَا ) بِالْمَدِّ ، يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى : رَفَعَ سَمْكَهَا أَيْ : رَفَعَ بُنْيَانَهَا ، وَهُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ وَزَادَ بِغَيْرِ عَمَدٍ وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ مِثْلَهُ .
قَوْلُهُ : ( وَالْحُبُكُ اسْتِوَاؤُهَا وَحُسْنُهَا ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ سَعْدٍ الْإِسْكَافِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ ذَاتِ الْحُبُكِ أَيِ الْبَهَاءِ وَالْجَمَالِ ، غَيْرَ أَنَّهَا كَالْبَرَدِ الْمُسَلْسَلِ ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ قَالَ : ذَاتِ الْحُبُكِ أَيِ الْخَلْقِ الْحَسَنِ ، وَالْحُبُكُ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ حَبِيكَةٍ كَطُرُقٍ وَطَرِيقَةٍ وَزْنًا وَمَعْنًى ، وَقِيلَ وَاحِدُهَا حِبَاكٌ كَمِثَالٍ وَمُثُلٍ ، وَقِيلَ الْحُبُكُ الطَّرِيقُ الَّتِي تُرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ آثَارِ الْغَيْمِ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ ، عَنِ الضَّحَّاكِ نَحْوَهُ ، وَقِيلَ : هِيَ النُّجُومُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ الْحَسَنِ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَوِ الْمُرَادُ بِالسَّمَاءِ هُنَا السَّمَاءُ السَّابِعَةُ . قَوْلُهُ : ( أَذِنَتْ : سَمِعَتْ وَأَطَاعَتْ ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ١ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ﴾وَمَعْنَى سَمْعِهَا وَإِطَاعَتِهَا قَبُولُهَا مَا يُرَادُ مِنْهَا ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا أَيْ أَطَاعَتْ ، وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ أَذِنَتْ لِرَبِّهَا أَيْ سَمِعَتْ ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَحُقَّتْ أَيْ حُقَّ لَهَا أَنْ تُطِيعَ . قَوْلُهُ : وَأَلْقَتْ أَخْرَجَتْ مَا فِيهَا مِنَ الْمَوْتَى وَتَخَلَّتْ أَيْ ( عَنْهُمْ ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ بَقِيَّةِ الْآيَاتِ ، وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : أَلْقَتْ مَا اسْتَوْدَعَهَا اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ وَتَخَلَّتْ عَنْهُمْ إِلَيْهِ .
قَوْلُهُ : طَحَاهَا دَحَاهَا ) هُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَالْمَعْنَى بَسَطَهَا يَمِينًا وَشِمَالًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمَا : دَحَاهَا أَيْ بَسَطَهَا . قَوْلُهُ : بِالسَّاهِرَةِ وَجْهُ الْأَرْضِ كَانَ فِيهَا الْحَيَوَانُ نَوْمُهُمْ وَسَهَرُهُمْ ) هُوَ تَفْسِيرُ عِكْرِمَةَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْأَرْضِ أَرْضُ الْقِيَامَةِ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قَوْلِهِ : ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ﴾قَالَ : أَرْضٌ بَيْضَاءُ عَفْرَاءُ كَالْخُبْزَةِ ، وَسَيَأْتِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ مَرْفُوعًا فِي الرِّقَاقِ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ تَفْسِيرُ السَّاهِرَةِ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ : أَحَدُهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ : مَنْ ظَلَمَ قَيْدَ شِبْرٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ .