حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ

بَاب مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ : وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قَاصِفًا تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ . لَوَاقِحَ مَلَاقِحَ مُلْقِحَةً . إِعْصَارٌ رِيحٌ عَاصِفٌ تَهُبُّ مِنْ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كَعَمُودٍ فِيهِ نَارٌ .

صِرٌّ بَرْدٌ . نَشْرًا مُتَفَرِّقَةً . 3205 - حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : نُصِرْتُ بِالصَّبَا ، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ .

قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) نُشُرًا بِضَمِّ النُّونِ وَالْمُعْجَمَةِ ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ فِي الْبَابِ . قَوْلُهُ : قَاصِفًا تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : هِيَ الَّتِي تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْ تُحَطِّمُ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْقَاصِفُ الَّتِي تُفَرِّقُ ، هَكَذَا ذَكَرَهُ مُنْقَطِعًا . قَوْلُهُ : لَوَاقِحَ مَلَاقِحٌ مُلَقِّحَةٌ ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ وَأَنَّ أَصْلَ لَوَاقِحَ مَلَاقِحُ وَوَاحِدُهَا مُلَقِّحَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وِفَاقًا لِابْنِ إِسْحَاقَ ، وَأَنْكَرَهُ غَيْرُهُمَا قَالُوا : لَوَاقِحُ جَمْعُ لَاقِحَةٍ وَلَاقِحٍ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : فَإِنْ قِيلَ الرِّيحُ مُلَقِّحَةٌ لِأَنَّهَا تُلَقِّحُ الشَّجَرَ فَكَيْفَ قِيلَ لَهَا لَوَاقِحُ ؟ فَالْجَوَابُ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تُجْعَلَ الرِّيحَ هِيَ الَّتِي تُلَقِّحُ بِمُرُورِهَا عَلَى التُّرَابِ وَالْمَاءِ فَيَكُونُ فِيهَا اللِّقَاحُ ، فَيُقَالُ رِيحٌ لَاقِحٌ كَمَا يُقَالُ مَاءٌ مَلَاقِحٌ ، وَيُؤَيِّدُهُ وَصْفُ رِيحِ الْعَذَابِ بِأَنَّهَا عَقِيمٌ .

ثَانِيهِمَا : أَنَّ وَصْفَهَا بِاللَّقْحِ لِكَوْنِ اللَّقْحِ يَقَعُ فِيهَا كَمَا تَقُولُ : لَيْلٌ نَائِمٌ ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : الصَّوَابُ أَنَّهَا لَاقِحَةٌ مِنْ وَجْهٍ مُلَقِّحَةٌ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّ لَقْحَهَا حَمْلُهَا الْمَاءَ ، وَإِلْقَاحُهَا عَمَلُهَا فِي السَّحَابِ ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيَاحَ فَتَحْمِلُ الْمَاءَ فَتُلَقِّحُ السَّحَابَ ، وَتَمُرُّ بِهِ فَتُدِرُّ كَمَا تُدِرُّ اللِّقْحَةُ ، ثُمَّ تُمْطِرُ ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : جَعَلَ الرِّيحَ لَاقِحًا لِأَنَّهَا تُقِلُّ السَّحَابَ وَتَصْرِفُهُ ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتَسْتَدِرُّهُ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلرِّيحِ الْجَنُوبِ : لَاقِحٌ وَحَامِلٌ ، وَلِلشَّمَالِ : حَائِلٌ وَعَقِيمٌ . قَوْلُهُ : إِعْصَارٌ رِيحٌ عَاصِفٌ تَهُبُّ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كَعَمُودٍ فِيهِ نَارٌ ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : الْإِعْصَارُ الرِّيحُ ، وَالنَّارُ السَّمُومُ . وَعَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : الْإِعْصَارُ رِيحٌ فِيهَا بَرْدٌ شَدِيدٌ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فِيهِ نَارٌ قَوْلُهُ : صِرٌّ بَرْدٌ ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى : رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الصِّرُّ شِدَّةُ الْبَرْدِ .

وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ قَالَ : كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ : فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ يَقُولُ : صِرٌّ بَرْدٌ . كَذَا قَالَ . قَوْلُهُ : ( نُشُرًا مُتَفَرِّقَةً ) هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَإِنَّهُ قَالَ : قَوْلُهُ : ( نُشُرًا ) أَيْ مِنْ كُلِّ مَهَبٍّ وَجَانِبٍ وَنَاحِيَةٍ .

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَوْلُهُ : ( عَنِ الْحَكَمِ ) هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ بِالْمُثَنَّاةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ . قَوْلُهُ : ( نُصِرْتُ بِالصَّبَا ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ مَقْصُورٌ هِيَ الرِّيحُ الشَّرْقِيَّةُ ، وَالدَّبُورُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَضْمُومَةِ مُقَابِلُهَا ، يُشِيرُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ الْأَحْزَابِ : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَرَوَى الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ انْقِطَاعٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : نُصِرْتُ بِالصَّبَا ، وَكَانَتْ عَذَابًا عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَنَا ، وَقِيلَ إِنَّ الصَّبَا هِيَ الَّتِي حَمَلَتْ رِيحَ قَمِيصِ يُوسُفَ إِلَى يَعْقُوبَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَفْضِيلُ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى بَعْضٍ ، وَفِيهِ إِخْبَارُ الْمَرْءِ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ لَا عَلَى الْفَخْرِ ، وَفِيهِ الْإِخْبَارُ عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَإِهْلَاكِهَا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث