حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ

بَاب ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ وَقَالَ أَنَسٌ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَنَحْنُ الصَّافُّونَ الْمَلَائِكَةُ 3207 - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ . وقَالَ لِي خَلِيفَةُ : ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، وَهِشَامٌ قَالَا : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ - وَذَكَرَ يَعْنِي رَجُلًا بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ - فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ ملآن حِكْمَةً وَإِيمَانًا ، فَشُقَّ مِنْ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ الْبَطْنِ ، ثُمَّ غُسِلَ الْبَطْنُ بِمَاءِ زَمْزَمَ ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا ، وَأُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ الْبُرَاقُ ، فَانْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ جِبْرِيلُ ، قِيلَ : مَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ ، قِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ، فَأَتَيْتُ عَلَى آدَمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ : مَرْحَبًا بِكَ مِنْ ابْنٍ وَنَبِيٍّ ، فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ ، قِيلَ : مَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ ، قِيلَ : أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ، فَأَتَيْتُ عَلَى عِيسَى وَيَحْيَى فَقَالَا : مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ ، فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قِيلَ : جِبْرِيلُ ، قِيلَ : مَنْ مَعَكَ ؟ قِيلَ : مُحَمَّدٌ ، قِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ، فَأَتَيْتُ عَلَى يُوسُفَ فَسَلَّمْتُ ، فقَالَ : مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ ، فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ ، قِيلَ : مَنْ مَعَكَ ؟ قِيلَ : مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم ، قِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قِيلَ : نَعَمْ ، قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِدْرِيسَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ ، فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قيل : جِبْرِيلُ ، قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قِيلَ : مُحَمَّدٌ ، قِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ، فَأَتَيْنَا عَلَى هَارُونَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ ، فَأَتَيْنَا عَلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ ، قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قِيلَ : جِبْرِيلُ ، قِيلَ : مَنْ مَعَكَ ؟ قِيلَ : مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم ، قِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ مَرْحَبًا بِهِ ، نِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ : مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ ، فَلَمَّا جَاوَزْتُ بَكَى ، فَقِيلَ : مَا أَبْكَاكَ ؟ قَالَ : يَا رَبِّ ، هَذَا الْغُلَامُ الَّذِي بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَفْضَلُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي ، فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّابِعَةَ قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قِيلَ : جِبْرِيلُ ، قِيلَ : مَنْ مَعَكَ ؟ قِيلَ : مُحَمَّدٌ ، قِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ مَرْحَبًا بِهِ ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَرْحَبًا بِكَ مِنْ ابْنٍ وَنَبِيٍّ ، فَرُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ : هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ، إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ ، وَرُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى ، فَإِذَا نَبِقُهَا كَأَنَّهُ قِلَالُ هَجَرَ ، وَوَرَقُهَا كَأَنَّهُ آذَانُ الْفُيُولِ ، فِي أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ : نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ : أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَفِي الْجَنَّةِ ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ النِّيلُ وَالْفُرَاتُ ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً ، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جِئْتُ مُوسَى فَقَالَ : مَا صَنَعْتَ ؟ قُلْتُ : فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً ، قَالَ : أَنَا أَعْلَمُ بِالنَّاسِ مِنْكَ عَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ ، وَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ ، فَرَجَعْتُ فَسَأَلْتُهُ ، فَجَعَلَهَا أَرْبَعِينَ ، ثُمَّ مِثْلَهُ ثُمَّ ثَلَاثِينَ ، ثُمَّ مِثْلَهُ فَجَعَلَ عِشْرِينَ ، ثُمَّ مِثْلَهُ فَجَعَلَ عَشْرًا ، فَأَتَيْتُ مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ فَجَعَلَهَا خَمْسًا ، فَأَتَيْتُ مُوسَى فَقَالَ : مَا صَنَعْتَ ؟ قُلْتُ : جَعَلَهَا خَمْسًا ، فَقَالَ مِثْلَهُ ، قُلْتُ : فسَلَّمْتُ ، فَنُودِيَ : إِنِّي قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي ، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي ، وَأَجْزِي الْحَسَنَةَ عَشْرًا . وَقَالَ هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ .

قَوْلُهُ : ( بَابُ ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ ) جَمْعُ مَلَكٍ بِفَتْحِ اللَّامِ ، فَقِيلَ : مُخَفَّفٌ مِنْ مَالِكٍ ، وَقِيلَ : مُشْتَقٌّ مِنَ الْأُلُوكَةِ وَهِيَ الرِّسَالَةُ ، وَهَذَا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وَالْجُمْهُورِ ، وَأَصْلُهُ لَاكَ ، وَقِيلَ أَصْلُهُ الْمَلْكُ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ وَهُوَ الْأَخْذُ بِقُوَّةٍ وَحِينَئِذٍ لَا مَدْخَلَ لِلْمِيمِ فِيهِ ، وَأَصْلُ وَزْنِهِ مَفْعَلٌ فَتُرِكَتِ الْهَمْزَةُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَظَهَرَتْ فِي الْجَمْعِ وَزِيدَتِ الْهَاءُ إِمَّا لِلْمُبَالَغَةِ وَإِمَّا لِتَأْنِيثِ الْجَمْعِ ، وَجُمِعَ عَلَى الْقَلْبِ وَإِلَّا لَقِيلَ مَالَكَهْ ، وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْمِيمُ فِي الْمَلَكِ أَصْلِيَّةٌ وَزْنُهُ فَعَلٌ كَأَسَدٍ هُوَ مِنَ الْمَلْكِ بِالْفَتْحِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَهُوَ الْأَخْذُ بِقُوَّةِ ، وَعَلَى هَذَا فَوَزْنُ مَلَائِكَةٍ فَعَائِلَةٌ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُمْ جَوَّزُوا فِي جَمْعِهِ أَمْلَاكٌ ، وَأَفْعَالٌ لَا يَكُونُ جَمْعًا لِمَا فِي أَوَّلِهِ مِيمٌ زَائِدَةٌ ، قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ : الْمَلَائِكَةُ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ أُعْطِيَتْ قُدْرَةً عَلَى التَّشَكُّلِ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ وَمَسْكَنُهَا السَّمَاوَاتُ ، وَأَبْطَلَ مَنْ قَالَ إِنَّهَا الْكَوَاكِبُ أَوْ إِنَّهَا الْأَنْفُسُ الْخَيِّرَةُ الَّتِي فَارَقَتْ أَجْسَادَهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي لَا يُوجَدُ فِي الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ شَيْءٌ مِنْهَا . وَقَدْ جَاءَ فِي صِفَةِ الْمَلَائِكَةِ وَكَثْرَتِهِمْ أَحَادِيثُ : مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ الْحَدِيثَ ، وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا : أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ الْحَدِيثَ ، وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا : مَا فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ مَوْضِعُ قَدَمٍ وَلَا شِبْرٍ وَلَا كَفٍّ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ وَلِلطَّبَرَانِيِّ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ . وَذَكَرَ فِي رَبِيعِ الْأَبْرَارِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : الْمَلَائِكَةُ لَيْسُوا ذُكُورًا وَلَا إِنَاثًا وَلَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَتَنَاكَحُونَ وَلَا يَتَوَالَدُونَ .

قُلْتُ : وَفِي قِصَّةِ الْمَلَائِكَةِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَسَارَةَ مَا يُؤَيِّدُ أَنَّهُمْ لَا يَأْكُلُونَ ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ الْأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنَّهَا شَجَرَةُ الْخُلْدِ الَّتِي تَأْكُلُ مِنْهَا الْمَلَائِكَةُ فَلَيْسَ بِثَابِتٍ ، وَفِي هَذَا وَمَا وَرَدَ مِنَ الْقُرْآنِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَ الْمَلَائِكَةِ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ . وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ ذِكْرَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ لَا لِكَوْنِهِمْ أَفْضَلَ عِنْدَهُ بَلْ لِتَقَدُّمِهِمْ فِي الْخَلْقِ وَلِسَبْقِ ذِكْرِهِمْ فِي الْقُرْآنِ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي صِفَةِ الْحَجِّ ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ ابْدَأْ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ ، وَلِأَنَّهُمْ وَسَائِطُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الرُّسُلِ فِي تَبْلِيغِ الْوَحْيِ وَالشَّرَائِعِ فَنَاسَبَ أَنْ يُقَدِّمَ الْكَلَامَ فِيهِمْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونُوا أَفْضَلَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَسْأَلَةَ تَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمِنْ أَدِلَّةِ كَثْرَتِهِمْ مَا يَأْتِي فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ : أَنَّ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَنَسٌ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ إِلَخْ ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْهِجْرَةِ ، وَسَيَأْتِي بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ هُنَاكَ مَعَ شَرْحِهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَنَحْنُ الصَّافُّونَ الْمَلَائِكَةَ ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ سَاجِدٌ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ تَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِينَ حَدِيثًا ، وَهُوَ مِنْ نَوَادِرِ مَا وَقَعَ فِي هَذَا الْكِتَابِ ، أَعْنِي كَثْرَةَ مَا فِيهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ ، فَإِنَّ عَادَةَ الْمُصَنِّفِ غَالِبًا يَفْصِلُ الْأَحَادِيثَ بِالتَّرَاجِمِ وَلَمْ يَصْنَعْ ذَلِكَ هُنَا . وَقَدِ اشْتَمَلَتْ أَحَادِيثُ الْبَابِ عَلَى ذِكْرِ بَعْضِ مَنِ اشْتُهِرَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ كَجِبْرِيلَ ، وَوَقَعَ ذِكْرُهُ فِي أَكْثَرِ أَحَادِيثِهِ ، وَمِيكَائِيلَ وَهُوَ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ وَحْدَهُ ، وَالْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِتَصْوِيرِ ابْنِ آدَمَ ، وَمَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ ، وَمَلَكِ الْجِبَالِ ، وَالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ ، وَالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ فِي السَّحَابِ ، وَالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ ، وَالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَخَزَنَةِ الْجَنَّةِ ، وَالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَتَعَاقَبُونَ .

وَوَقَعَ ذِكْرُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْعُمُومِ فِي كَوْنِهِمْ لَا يَدْخُلُونَ بَيْتًا فِيهِ تَصَاوِيرُ ، وَأَنَّهُمْ يُؤَمِّنُونَ عَلَى قِرَاءَةِ الْمُصَلِّي وَيَقُولُونَ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، وَيَدْعُونَ لِمُنْتَظِرِ الصَّلَاةِ ، وَيَلْعَنُونَ مَنْ هَجَرَتْ فِرَاشَ زَوْجِهَا ، وَمَا بَعْدَ الْأَوَّلِ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ خَاصًّا مِنْهُمْ ، فَأَمَّا جِبْرِيلُ فَقَدْ وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ رُوحُ الْقُدُسِ وَبِأَنَّهُ الرُّوحُ الْأَمِينُ وَبِأَنَّهُ رَسُولٌ كَرِيمٌ ذُو قُوَّةٍ مَكِينٌ مُطَاعٌ أَمِينٌ ، وَسَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ مَعْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ سُرْيَانِيًّا لَكِنَّهُ وَقَعَ فِيهِ مُوَافَقَةٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِلُغَةِ الْعَرَبِ ؛ لِأَنَّ الْجَبْرَ هُوَ إِصْلَاحُ مَا وَهِيَ ، وَجِبْرِيلُ مُوَكَّلٌ بِالْوَحْيِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْإِصْلَاحُ الْعَامُّ ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ عَرَبِيٌّ وَإِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ جَبَرُوتِ اللَّهِ ، وَاسْتُبْعِدَ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى مَنْعِ صَرْفِهِ وَفِي اللَّفْظَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ لُغَةً أَوَّلُهَا جِبْرِيلُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بِغَيْرِ هَمْزٍ ثُمَّ لَامٍ خَفِيفَةٍ وَهِيَ قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو ، وَابْنِ عَامِرٍ ، وَنَافِعٍ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ عَاصِمٍ ، ثَانِيهَا بِفَتْحِ الْجِيمِ قَرَأَهَا ابْنُ كَثِيرٍ ، ثَالِثُهَا مِثْلُهُ لَكِنْ بِفَتْحِ الرَّاءِ ثُمَّ هَمْزَةٌ قَرَأَهَا حَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ ، رَابِعُهَا مِثْلُهُ بِحَذْفِ مَا بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ قَرَأَهَا يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ وَرُوِيَتْ عَنْ عَاصِمٍ . خَامِسُهَا بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَرُوِيَتْ عَنْ عَاصِمٍ . سَادِسُهَا بِزِيَادَةِ أَلِفٍ بَعْدَ الرَّاءِ ثُمَّ هَمْزَةٌ ثُمَّ يَاءٌ ثُمَّ لَامٌ خَفِيفَةٌ قَرَأَهَا عِكْرِمَةُ .

سَابِعُهَا مِثْلُهَا بِغَيْرِ هَمْزٍ قَرَأَهَا الْأَعْمَشُ . ثَامِنُهَا مِثْلُ السَّادِسَةِ إِلَّا أَنَّهَا بِيَاءٍ قَبْلَ الْهَمْزِ . تَاسِعُهَا جَبْرَالُ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ وَأَلِفٍ بَعْدَ الرَّاءِ وَلَامٍ خَفِيفَةٍ .

عَاشِرُهَا مِثْلُهُ لَكِنْ بِيَاءٍ بَعْدَ الْأَلِفِ قَرَأَهَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ . حَادِي عَشْرَهَا جَرِينُ مِثْلُ كَثِيرٍ لَكِنْ بِنُونٍ . ثَانِي عَشْرَهَا مِثْلُهُ لَكِنْ بِكَسْرِ الْجِيمِ .

ثَالِثُ عَشْرَهَا مِثْلُ حَمْزَةَ لَكِنْ بِنُونٍ بَدَلَ اللَّامِ لَخَّصْتُهُ مِنْ إِعْرَابِ السَّمِينِ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ : جِبْرِيلُ مِنَ الْكُرُوبِيِّينَ وَهُمْ سَادَةُ الْمَلَائِكَةِ ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجِبْرِيلَ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ أَنْتَ ؟ قَالَ : عَلَى الرِّيحِ وَالْجُنُودِ ، قَالَ : وَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ مِيكَائِيلُ ؟ قَالَ : عَلَى النَّبَاتِ وَالْقَطْرِ ، قَالَ : وَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ مَلَكُ الْمَوْتِ ؟ قَالَ : عَلَى قَبْضِ الْأَرْوَاحِ الْحَدِيثَ ، وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَقَدْ ضُعِّفَ لِسُوءِ حِفْظِهِ وَلَمْ يُتْرَكْ . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا وَزَيْدٍ أَيْ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ ، الْحَدِيثَ . وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي كَيْفِيَّةِ خَلْقِ آدَمَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَلْقَ جِبْرِيلَ كَانَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ ، وَهُوَ مُقْتَضَى عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ وَفِي التَّفْسِيرِ أَيْضًا أَنَّهُ يَمُوتُ قَبْلَ مَوْتِ مَلَكِ الْمَوْتِ بَعْدَ فَنَاءِ الْعَالَمِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَأَمَّا مِيكَائِيلُ فَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِجِبْرِيلَ : مَا لِي لَمْ أَرَ مِيكَائِيلَ ضَاحِكًا ؟ قَالَ : مَا ضَحِكَ مُنْذُ خُلِقَتِ النَّارُ وَأَمَّا مَلَكُ التَّصْوِيرِ فَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ . وَأَمَّا مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ فَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الزُّخْرُفِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَأَمَّا مَلَكُ الْجِبَالِ فَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ أَيْضًا ، وَمِنْ مَشَاهِيرِ الْمَلَائِكَةِ إِسْرَافِيلُ وَلَمْ يَقَعْ لَهُ ذِكْرٌ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَقَدْ رَوَى النَّقَّاشُ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَجَدَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَجُوزِيَ بِوِلَايَةِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ الَّذِي نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا أَوْ نَبِيًّا مَلِكًا ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ أَنْ تَوَاضَعْ ، فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا ، وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحنَى جَبْهَتَهُ وَانْتَظَرَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ الْحَدِيثَ ، وَقَدِ اشْتَمَلَ كِتَابُ الْعَظَمَةِ لِأَبِي الشَّيْخِ مِنْ ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى أَحَادِيثَ وَآثَارٍ كَثِيرَةٍ فَلْيَطْلُبْهَا مِنْهُ مَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى ذَلِكَ ، وَفِيهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ ذَكَرَ الْمَلَائِكَةَ ، فَقَالَ : مِنْهُمُ الْأُمَنَاءُ عَلَى وَحْيِهِ ، وَالْحَفَظَةُ لِعِبَادِهِ ، وَالسَّدَنَةُ لِجِنَانِهِ ، وَالثَّابِتَةُ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ ، الْمَارِقَةُ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا أَعْنَاقُهُمْ ، الْخَارِجَةُ عَنِ الْأَقْطَارِ أَكْنَافُهُمْ ، الْمَاسَّةُ لِقَوَائِمِ الْعَرْشِ أَكْتَافُهُمْ . الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثُ الْإِسْرَاءِ أَوْرَدَهُ بِطُولِهِ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ، وَسَأَذْكُرُ شَرْحَهُ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ قُبَيْلَ أَبْوَابِ الْهِجْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَلَائِكَةِ ، وَقَدْ سَاقَهُ هُنَا عَلَى لَفْظِ خَلِيفَةَ ، وَهُنَاكَ عَلَى لَفْظِ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ ، وَسَأُبَيِّنُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

وَقَوْلُهُ : بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَلْآنٍ كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ : مَلْأَى وَالتَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ الْإِنَاءِ ، وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الطَّسْتِ لِأَنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ ، وَوَجَدْتُ بِخَطِّ الدِّمْيَاطِيِّ : مُلِئَ بِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى لَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي ، فَعَلَى هَذَا لَا تَغَايُرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ مَلْآنٍ ، وَقَوْلُهُ مَرَاقِّ الْبَطْنِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ هُوَ مَا سَفَلَ مِنَ الْبَطْنِ وَرَقَّ مِنْ جِلْدِهِ ، وَأَصْلُهُ مَرَاقِقُ ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ رِقَّةِ الْجِلْدِ . وَقَوْلُهُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ ذَكَرَهُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَرْكُوبًا ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ وَقَالَ هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ إِلَخْ يُرِيدُ أَنَّ هَمَّامًا فَصَّلَ فِي سِيَاقِهِ قِصَّةَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ مِنْ قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ ، فَرَوَى أَصْلَ الْحَدِيثِ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَقِصَّةَ الْبَيْتِ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، وَأَمَّا سَعِيدٌ وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَهِشَامٌ وَهُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ فَأَدْرَجَا قِصَّةَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ هَمَّامٍ وَهِيَ مَوْصُولَةٌ هُنَا عَنْ هُدْبَةَ عَنْهُ ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا مُعَلَّقَةٌ ، فَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ عَنْ هُدْبَةَ ، فَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ فَرَفَعَ لِيَ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ ، قَالَ قَتَادَةُ : فَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ رَأَى الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ وَلَا يَعُودُونَ فِيهِ ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ ، وَأَبِي يَعْلَى ، وَالْبَغَوِيِّ وَغَيْرِ وَاحِدٍ كُلُّهُمْ عَنْ هُدْبَةَ بِهِ مُفَصَّلًا ، وَعُرِفَ بِذَلِكَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ بِقَوْلِهِ فِي الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ مَسْجِدٌ فِي السَّمَاءِ بِحِذَاءِ الْكَعْبَةِ لَوْ خَرَّ لَخَرَّ عَلَيْهَا ، يَدْخُلُهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ كُلَّ يَوْمٍ إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا ، وَهَذَا وَمَا قَبْلَهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ قَتَادَةَ كَانَ تَارَةً يُدْرِجُ قِصَّةَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَتَارَةً يَفْصِلُهَا ، وَحِينَ يَفْصِلُهَا تَارَةً يَذْكُرُ سَنَدَهَا وَتَارَةً يُبْهِمُهُ ، وَقَدْ رَوَى إِسْحَاقُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ قَالَ : السَّمَاءُ ، وَعَنِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ قَالَ : بَيْتٌ فِي السَّمَاءِ بِحِيَالِ الْبَيْتِ حُرْمَتُهُ فِي السَّمَاءِ كَحُرْمَةِ هَذَا فِي الْأَرْضِ ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ وَلَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرِيِّ أَنَّ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْكَوَّا . ، وَلِابْنِ مَرْدُوَيْهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ وَزَادَ : وَهُوَ عَلَى مِثْلِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ لَوْ سَقَطَ لَسَقَطَ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَنَحْوَهُ بِإِسْنَادٍ صَالِحٍ ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو نَحْوَهُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ ، وَهُوَ عِنْدَ الْفَاكِهِيِّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ لَكِنْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ ، وَرَوَى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ أَيْضًا وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَزَادَ : وَفِي السَّمَاءِ نَهْرٌ يُقَالُ لَهُ نَهَرُ الْحَيَوَانِ يَدْخُلُهُ جِبْرِيلُ كُلَّ يَوْمٍ فَيَغْمِسُ ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَنْتَفِضُ فَيَخِرُّ عَنْهُ سَبْعُونَ أَلْفَ قَطْرَةٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ قَطْرَةٍ مَلَكًا ، فَهُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ فِيهِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ نَحْوَهُ بِدُونِ ذِكْرِ النَّهَرِ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَكِنْ مَوْقُوفًا ، وَجَاءَ عَنِ الْحَسَنِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ هُوَ الْكَعْبَةُ ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ .

وَجَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ . وَبِهِ جَزَمَ شَيْخُنَا فِي الْقَامُوسِ ، وَقِيلَ هُوَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ ، وَقِيلَ هُوَ تَحْتَ الْعَرْشِ ، وَقِيلَ إِنَّهُ بِنَاءُ آدَمَ لَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ رُفِعَ زَمَنَ الطُّوفَانِ ، وَكَأَنَّ هَذَا شَبَّهَهُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ الْكَعْبَةُ ، وَيُسَمَّى الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ الضِّرَاحَ وَالضَّرِيحَ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث