بَاب إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ " آمِينَ " وَالْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُرْوَةُ : أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ ؟ قَالَ : لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي ، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، فَقَالَ : ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا . الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ حَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ أَتَى عَلَيْكُمْ يَوْمٌ أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ ؟ الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( ابْنُ عَبْدِ يَالِيلَ ) بِتَحْتَانِيَّةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ لَامٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ لَامٌ ( ابْنُ عَبْدِ كُلَالٍ ) بِضَمِّ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَآخِرُهُ لَامٌ وَاسْمُهُ كِنَانَةُ ، وَالَّذِي فِي الْمَغَازِي أَنَّ الَّذِي كَلَّمَهُ هُوَ عَبْدُ يَالِيلَ نَفْسُهُ ، وَعِنْدَ أَهْلِ النَّسَبِ أَنَّ عَبْدَ كُلَالٍ أَخُوهُ لَا أَبُوهُ ، وَأَنَّهُ عَبْدُ يَالِيلَ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفٍ ، وَيُقَالُ اسْمُ ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ مَسْعُودٌ وَلَهُ أَخٌ أَعْمَى لَهُ ذِكْرٌ فِي السِّيرَةِ فِي قَذْفِ النُّجُومِ عِنْدَ الْمَبْعَثِ النَّبَوِيِّ ، وَكَانَ ابْنُ عَبْدِ يَالِيلَ مِنْ أَكَابِرِ أَهْلِ الطَّائِفِ مِنْ ثَقِيفٍ ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ قَالَ : نَزَلَتْ فِي عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ الثَّقَفِيِّ ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ : هُمَا الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، وَعُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَالَ فِيهِ : يَعْنِي كِنَانَةَ .
وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ : هُمَا الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، وَكِنَانَةُ بْنُ عَبْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ عَظِيمُ أَهْلِ الطَّائِفِ . وَقَدْ ذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، وَابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ كِنَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَالِيلَ وَفَدَ مَعَ وَفْدِ الطَّائِفِ سَنَةَ عَشْرٍ فَأَسْلَمُوا ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الصَّحَابَةِ لِذَلِكَ ، لَكِنْ ذَكَرَ الْمَدِينِيُّ أَنَّ الْوَفْدَ أَسْلَمُوا إِلَّا كِنَانَةَ فَخَرَجَ إِلَى الرُّومِ وَمَاتَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ تَوَجَّهَ إِلَى الطَّائِفِ رَجَاءَ أَنْ يُؤْوُوهُ ، فَعَمَدَ إِلَى ثَلَاثَةِ نَفَرٍ مِنْ ثَقِيفٍ وَهُمْ سَادَتُهُمْ وَهُمْ إِخْوَة عَبْدِ يَالِيلَ ، وَحَبِيبٌ ، وَمَسْعُودٌ بَنُو عَمْرٍو ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ وَشَكَا إِلَيْهِمْ مَا انْتَهَكَ مِنْهُ قَوْمُهُ فَرَدُّوا عَلَيْهِ أَقْبَحَ رَدٍّ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ مُطَوَّلًا ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ عَشْرٍ مِنَ الْمَبْعَثِ وَأَنَّهُ كَانَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ ، وَخَدِيجَةَ .
قَوْلُهُ : ( عَلَى وَجْهِي ) أَيْ عَلَى الْجِهَةِ الْمُوَاجِهَةِ لِي . قَوْلُهُ : ( بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ ) هُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ نَجْدٍ ، وَيُقَالُ لَهُ : قَرْنُ الْمَنَازِلِ أَيْضًا ، وَهُوَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ مَكَّةَ ، وَقَرْنٌ كُلُّ جَبَلٍ صَغِيرٍ مُنْقَطِعٍ مِنْ جَبَلٍ كَبِيرٍ ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ذَكَرَهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ قَالَ : هُوَ غَلَطٌ ، وَحَكَى الْقَابِسِيُّ أَنَّ مَنْ سَكَّنَ الرَّاءَ أَرَادَ الْجَبَلَ ، وَمَنْ حَرَّكَهَا أَرَادَ الطَّرِيقَ الَّتِي بِقُرْبٍ مِنْهُ ، وَأَفَادَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ مُدَّةَ إِقَامَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالطَّائِفِ كَانَتْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ . قَوْلُهُ : ( مَلَكُ الْجِبَالِ ) أَيِ الْمُوَكَّلُ بِهَا .
قَوْلُهُ : ( فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، فَقَالَ : ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ عَنْ شَيْخَيْهِ ، وَلَهُ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِثْلُهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَمَا شِئْتَ . وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ مِقْدَامِ بْنِ دَاوُدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكَ وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ ، قَوْلُهُ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ : كَمَا عَلِمْتَ أَوْ كَمَا قَالَ جِبْرِيلُ ، وَقَوْلُهُ : مَا شِئْتَ اسْتِفْهَامٌ وَجَزَاؤُهُ مُقَدَّرٌ أَيْ : إِنْ شِئْتَ فَعَلْتُ . قَوْلُهُ : ( الْأَخْشَبَيْنِ ) بِالْمُعْجَمَتَيْنِ هُمَا جَبَلَا مَكَّةَ أَبُو قُبَيْسٍ وَالَّذِي يُقَابِلُهُ وَكَأَنَّهُ قُعَيْقِعَانَ ، وَقالَ الصَّغَانِيُّ : بَلْ هُوَ الْجَبَلُ الْأَحْمَرُ الَّذِي يُشْرِفُ عَلَى قُعَيْقِعَانَ ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ هُوَ ثَوْرٌ كَالْكِرْمَانِيِّ ، وَسُمِّيَا بِذَلِكَ لِصَلَابَتِهِمَا وَغِلَظِ حِجَارَتِهِمَا ، وَالْمُرَادُ بِإِطْبَاقِهِمَا أَنْ يَلْتَقِيَا عَلَى مَنْ بِمَكَّةَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُمَا يَصِيرَانِ طَبَقًا وَاحِدًا .
قَوْلُهُ : ( بَلْ أَرْجُو ) كَذَا لِأَكْثَرِهِمْ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ : أَنَا أَرْجُو ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ شَفَقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْمِهِ ، وَمَزِيدِ صَبْرِهِ وَحِلْمِهِ ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَقَوْلُهُ : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ