بَاب صِفَةِ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ - أَوْ قَالَ : جُنْحُ اللَّيْلِ - فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ ؛ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنْ الْعِشَاءِ فَخَلُّوهُمْ ، وَأَغْلِقْ بَابَكَ ، وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ، وَأَطْفِئْ مِصْبَاحَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ، وَأَوْكِ سِقَاءَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ، وَخَمِّرْ إِنَاءَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ شَيْئًا . الثَّانِي عَشَرَ : حَدِيثُ جَابِرٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ هُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ ، وَحَدَّثَ عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ . قَوْلُهُ : ( إِذَا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ أَوْ كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَوْ قَالَ جُنْحُ اللَّيْلِ وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَبِكَسْرِهَا ، وَالْمَعْنَى إِقْبَالُهُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، يُقَالُ : جَنَحَ اللَّيْلُ : أَقْبَلَ .
وَاسْتَجْنَحَ : حَانَ جُنْحُهُ ، أَوْ وَقَعَ . وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ اسْتَنْجَعَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ الْحَاءِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ ، وَعِنْدَ الْأَصِيلِيِّ أَوَّلُ اللَّيْلِ بَدَلَ قَوْلِهِ أَوْ كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ ، وَ كَانَ فِي قَوْلِهِ : وَكَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ تَامَّةٌ أَيْ حَصَلَ . قَوْلُهُ : ( فَخَلُّوهُمْ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَلِلسَّرَخْسِيِّ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : إِنَّمَا خِيفَ عَلَى الصِّبْيَانِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ الَّتِي تَلُوذُ بِهَا الشَّيَاطِينُ مَوْجُودَةٌ مَعَهُمْ غَالِبًا ، وَالذِّكْرُ الَّذِي يَحْرُزُ مِنْهُمْ مَفْقُودٌ مِنَ الصِّبْيَانِ غَالِبًا وَالشَّيَاطِينُ عِنْدَ انْتِشَارِهِمْ يَتَعَلَّقُونَ بِمَا يُمْكِنهُمُ التَّعَلُّقُ بِهِ ، فَلِذَلِكَ خِيفَ عَلَى الصِّبْيَانِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ .
وَالْحِكْمَةُ فِي انْتِشَارِهِمْ حِينَئِذٍ أَنَّ حَرَكَتَهُمْ فِي اللَّيْلِ أَمْكَنُ مِنْهَا لَهُمْ فِي النَّهَارِ ، لِأَنَّ الظَّلَامَ أَجْمَعُ لِلْقُوَى الشَّيْطَانِيَّةِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ سَوَادٍ . وَلِهَذَا قَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ : فَمَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ ؟ قَالَ : الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
قَوْلُهُ : ( وَأَغْلِقْ بَابَكَ ) هُوَ خِطَابٌ لِمُفْرَدٍ ، وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ أَحَدٍ ، فَهُوَ عَامٌّ بِحَسَبِ الْمَعْنَى ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مُقَابَلَةَ الْمُفْرَدِ بِالْمُفْرَدِ تُفِيدُ التَّوْزِيعَ ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .