بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ
بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الثُّعْبَانُ : الْحَيَّةُ الذَّكَرُ مِنْهَا ، يُقَالُ : الْحَيَّاتُ أَجْنَاسٌ الْجَانُّ وَالْأَفَاعِي وَالْأَسَاوِدُ . آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا فِي مِلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ ، ويُقَالُ : صَافَّاتٍ بُسُطٌ أَجْنِحَتَهُنَّ ، وَيَقْبِضْنَ يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ . 3297 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّه سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ : اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ ، وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ ؛ فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَلَ .
3298 - وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَبَيْنَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً لِأَقْتُلَهَا ، فَنَادَانِي أَبُو لُبَابَةَ : لَا تَقْتُلْهَا ، فَقُلْتُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ ، فقَالَ : إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ ، وَهِيَ الْعَوَامِرُ . 3299 - وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ : فَرَآنِي أَبُو لُبَابَةَ - أَوْ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ - وَتَابَعَهُ يُونُسُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ وَالزُّبَيْدِيُّ ، وَقَالَ صَالِحٌ وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ وَابْنُ مُجَمِّعٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : رَآنِي أَبُو لُبَابَةَ ، وَزَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى سَبْقِ خَلْقِ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ عَلَى الْحَيَوَانِ ، أَوْ سَبْقِ جَمِيعِ ذَلِكَ عَلَى خَلْقِ آدَمَ .
وَالدَّابَّةُ لُغَةً مَا دَبَّ مِنَ الْحَيَوَانِ ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمُ الطَّيْرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا وَعُرْفًا ذَوَاتُ الْأَرْبَعِ ، وَقِيلَ : يَخْتَصُّ بِالْفَرَسِ وَقِيلَ : بِالْحِمَارِ ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ إِنَّ خَلْقَ الدَّوَابِّ كَانَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ . قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الثُّعْبَانُ الْحَيَّةُ الذَّكَرُ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَقِيلَ : الثُّعْبَانُ الْكَبِيرُ مِنَ الْحَيَّاتِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى .
قَوْلُهُ : ( يُقَالُ الْحَيَّاتُ أَجْنَاسٌ ، الْجَانُّ وَالْأَفَاعِي وَالْأَسَاوِدُ ) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ الْجَانُّ أَجْنَاسٌ قَالَ عِيَاضٌ : الْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ ، قُلْتُ : هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، قَالَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْقَصَصِ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ : كَأَنَّهَا جَانٌّ وَفِي قَوْلِهِ : حَيَّةٌ تَسْعَى كَأَنَّهَا جَانٌّ مِنَ الْحَيَّاتِ أَوْ مِنْ حَيَّةِ الْجَانِّ ، فَجَرَى عَلَى أَنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ ، وَقِيلَ : كَانَتِ الْعَصَا فِي أَوَّلِ الْحَالِ جَانًّا وَهِيَ الْحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ ، ثُمَّ صَارَتْ ثُعْبَانًا ، فَحِينَئِذٍ أَلْقَى الْعَصَا ، وَقِيلَ : اخْتَلَفَ وَصْفُهَا بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهَا : فَكَانَتْ كَالْحَيَّةِ فِي سَعْيِهَا وَكَالْجَانِّ فِي حَرَكَتِهَا وَكَالثُّعْبَانِ فِي ابْتِلَاعِهَا . وَالْأَفَاعِي جَمْعُ أَفْعَى وَهِيَ الْأُنْثَى مِنَ الْحَيَّاتِ ، وَالذَّكَرُ مِنْهَا أُفْعُوَانٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْعَيْنِ ، وَكُنْيَةُ الْأُفْعُوَانِ أَبُو حَيَّانَ ، وَأَبُو يَحْيَى لِأَنَّهُ يَعِيشُ أَلْفَ سَنَةٍ ، وَهُوَ الشُّجَاعُ الْأَسْوَدُ الَّذِي يُوَاثِبُ الْإِنْسَانَ ، وَمِنْ صِفَةِ الْأَفْعَى إِذَا فُقِئَتْ عَيْنُهَا عَادَتْ وَلَا تُغْمِضُ حَدَقَتَهَا الْبَتَّةَ ، وَالْأَسَاوِدُ جَمْعُ أَسْوَدَ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هِيَ حَيَّةٌ فِيهَا سَوَادٌ . وَهِيَ أَخْبَثُ الْحَيَّاتِ .
وَيُقَالُ لَهُ : أَسْوَدُ سَالِخٌ ؛ لِأَنَّهُ يَسْلُخُ جِلْدَهُ كُلَّ عَامٍ . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ أَسَدٍ وَأَسْوَدَ وَقِيلَ : هِيَ حَيَّةٌ رَقِيقَةٌ رَقْشَاءُ دَقِيقَةُ الْعُنُقِ عَرِيضَةُ الرَّأْسِ ، وَرُبَّمَا كَانَتْ ذَاتَ قَرْنَيْنِ . وَالْهَاءُ فِي الْحَيَّةِ لِلْوَحْدَةِ ، كَدَجَاجَةٍ ، وَقَدْ عَدَّ لَهَا ابْنُ خَالَوَيْهِ فِي كِتَابِ لَيْسَ سَبْعِينَ اسْمًا .
قَوْلُهُ : ( آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا فِي مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا أَيْ فِي قَبْضَتِهِ وَمُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ ، وَخَصَّ النَّاصِيَةَ بِالذِّكْرِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ تَقُولُ : نَاصِيَةُ فُلَانٍ فِي يَدِ فُلَانٍ : إِذَا كَانَ فِي طَاعَتِهِ ، وَمِنْ ثَمَّ كَانُوا يَجُزُّونَ نَاصِيَةَ الْأَسِيرِ إِذَا أَطْلَقُوهُ . قَوْلُهُ : ( وَيُقَالُ صَافَّاتٍ : بُسُطٌ أَجْنِحَتُهُنَّ ) وَقَوْلُهُ : ( يَقْبِضْنَ : يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ أَيْ بَاسِطَاتِ أَجْنِحَتَهُنَّ ، وَ( يَقْبِضْنَ ) يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : صَافَّاتٍ قَالَ : بُسُطٌ أَجْنِحَتُهُنَّ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ : الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَبِي لُبَابَةَ .
قَوْلُهُ : ( وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ ) تَثْنِيَةُ طُفْيَةٍ - بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ - وَهِيَ خُوصَةُ الْمُقَلِ ، وَالطَّفْيُ خُوصُ الْمُقَلِ ، شَبَّهَ بِهِ الْخَطَّ الَّذِي عَلَى ظَهْرِ الْحَيَّةِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : يُقَالُ إنَّ ذَا الطُّفْيَتَيْنِ جِنْسٌ مِنَ الْحَيَّاتِ يَكُونُ عَلَى ظَهْرِهِ خَطَّانِ أَبْيَضَانِ . قَوْلُهُ : ( وَالْأَبْتَرَ ) هُوَ مَقْطُوعُ الذَّنَبِ ، زَادَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ أَنَّهُ أَزْرَقُ اللَّوْنِ لَا تَنْظُرُ إِلَيْهِ حَامِلٌ إِلَّا أَلْقَتْ ، وَقِيلَ : الْأَبْتَرُ الْحَيَّةُ الْقَصِيرَةُ الذَّنَبِ ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ : هي الْأَفْعَى الَّتِي تَكُونُ قَدْرَ شِبْرٍ أَوْ أَكْبَرَ قَلِيلًا ، وَقَوْلُهُ : وَالْأَبْتَرَ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ بَيْنَ ذِي الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرِ ; وَوَقَعَ فِي الطَّرِيقِ الْآتِيَةِ لَا تَقْتُلُوا الْحَيَّاتِ إِلَّا كُلَّ أَبْتَرَ ذِي طُفْيَتَيْنِ وَظَاهِرُهُ اتِّحَادُهُمَا ، لَكِنْ لَا يَنْفِي الْمُغَايَرَةَ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ ) أَيْ يَمْحُوَانِ نُورَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : وَيُذْهِبُ الْبَصَرَ وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : فَإِنَّهُ يَلْتَمِسُ الْبَصَرَ .
قَوْلُهُ : ( وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَلَ ) هُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ : الْجَنِينُ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ الْآتِيَةِ بَعْدَ أَحَادِيثَ : فَإِنَّهُ يُسْقِطُ الْوَلَدَ ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْآتِي بَعْدَ أَحَادِيثَ : وَيُصِيبُ الْحَبَلَ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهَا وَيُذْهِبُ الْحَبَلَ وَكُلُّهَا بِمَعْنًى . قَوْلُهُ : ( قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ الَّتِي يَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَكُنْتُ لَا أَتْرُكُ حَيَّةً إِلَّا قَتَلْتُهَا ، حَتَّى طَارَدْتُ حَيَّةً مِنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ الْحَدِيثَ ، وَقَوْلُهُ : أُطَارِدُ أَيْ أَتْبَعُ وَأَطْلُبُ . قَوْلُهُ : ( فَنَادَانِي أَبُو لُبَابَةَ ) بِضَمِّ اللَّامِ وَبِمُوَحَّدَتَيْنِ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ اسْمُهُ بَشِيرٌ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ، وَقِيلَ : مُصَغَّرٌ ، وَقِيلَ : بِتَحْتَانِيَّةٍ وَمُهْمَلَةٍ مُصَغَّرٌ ، وَقِيلَ : رِفَاعَةُ ، وَقِيلَ : بَلِ اسْمُهُ كُنْيَتُهُ ، وَرِفَاعَةُ ، وَبَشِيرٌ أَخَوَاهُ ، وَاسْمُ جَدِّهِ زَنْبَرٌ بِزَايٍ وَنُونٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَزْنُ جَعْفَرٍ ، وَهُوَ أَوْسِيٌّ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنُ زَيْدٍ ، وَشَذَّ مَنْ قَالَ اسْمُهُ مَرْوَانُ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ ، وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ وَشَهِدَ أُحُدًا ، وَيُقَالُ شَهِدَ بَدْرًا ، وَاسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَدِينَةِ ، وَكَانَتْ مَعَهُ رَايَةُ قَوْمِهِ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَمَاتَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ عَلَى الصَّحِيحِ .
قَوْلُهُ : ( إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ ) أَيِ اللَّاتِي يُوجَدْنَ فِي الْبُيُوتِ ، وَظَاهِرُهُ التَّعْمِيمُ فِي جَمِيعِ الْبُيُوتِ ، وَعَنْ مَالِكٍ تَخْصِيصُهُ بِبُيُوتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَقِيلَ : يَخْتَصُّ بِبُيُوتِ الْمُدُنِ دُونَ غَيْرِهَا ، وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ فَتُقْتَلُ فِي الْبَرَارِي وَالصَّحَارِي مِنْ غَيْرِ إِنْذَارٍ ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهَا الْحَيَّةُ الَّتِي تَكُونُ كَأَنَّهَا فِضَّةٌ وَلَا تَلْتَوِي فِي مِشْيَتِهَا . قَوْلُهُ : ( وَهِيَ الْعَوَامِرُ ) هُوَ كَلَامُ الزُّهْرِيِّ أُدْرِجَ فِي الْخَبَرِ ، وَقَدْ بَيَّنَهُ مَعْمَرٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَسَاقَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَهِيَ الْعَوَامِرُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : عُمَّارُ الْبُيُوتِ سُكَّانُهَا مِنَ الْجِنِّ ، وَتَسْمِيَتُهُنَّ عَوَامِرُ لِطُولِ لُبْثِهِنَّ فِي الْبُيُوتِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعُمْرِ وَهُوَ طُولُ الْبَقَاءِ ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا : إِنَّ لِهَذِهِ الْبُيُوتِ عَوَامِرَ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَحَرِّجُوا عَلَيْهِ ثَلَاثًا ، فَإِنْ ذَهَبَ وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ . وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالثَّلَاثِ : فَقِيلَ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ ، وَقِيلَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ حَرِّجُوا عَلَيْهِنَّ : أَنْ يُقَالَ لَهُنَّ أَنْتُنَّ فِي ضِيقٍ وَحَرَجٍ إِنْ لَبِثْتِ عِنْدَنَا ، أَوْ ظَهَرْتِ لَنَا ، أَوْ عُدْتِ إِلَيْنَا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ : فَرَآنِي أَبُو لُبَابَةَ أَوْ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ ) يُرِيدُ أَنَّ مَعْمَرًا رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، عَلَى الشَّكِّ فِي اسْمِ الَّذِي لَقِيَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، وَرِوَايَتُهُ هَذِهِ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهَا ، وَسَاقَهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ . قَوْلُهُ : ( وَتَابَعَهُ يُونُسُ ) أَيِ ابْنُ يَزِيدَ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ أَيْ سُفْيَانَ ، وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ وَالزُّبَيْدِيُّ ، أَيْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةَ تَابَعُوا مَعْمَرًا عَلَى رِوَايَتِهِ بِالشَّكِّ الْمَذْكُورِ .
فَأَمَّا رِوَايَةُ يُونُسَ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهَا وَسَاقَهُ أَبُو عَوَانَةَ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَأَخْرَجَهَا أَحْمَدُ ، وَالْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْهُ ، وَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْتُلُ كُلَّ حَيَّةٍ وَجَدَهَا ، فَأَبْصَرَهُ أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ أَوْ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَمَّا رِوَايَةُ إِسْحَاقَ وَهُوَ ابْنُ يَحْيَى الْكَلْبِيُّ فَرُوِّينَاهَا فِي نُسْخَتِهِ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الزُّبَيْدِيِّ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْحِمْصِيُّ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ ، وَفِي رِوَايَتِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : فَكُنْتُ لَا أَتْرُكُ حَيَّةً أَرَاهَا إِلَّا قَتَلْتُهَا وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَتَرَى ذَلِكَ مِنْ سُمِّيَّتِهَا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ صَالِحٌ ، وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ ، وَابْنُ مُجَمِّعٍ إِلَخْ ) يَعْنِي أَنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ رَوَوُا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، فَجَمَعُوا فِيهِ بَيْنَ أَبِي لُبَابَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَأَمَّا رِوَايَةُ صَالِحٍ وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهَا وَسَاقَهُ أَبُو عَوَانَةَ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي حَفْصَةَ وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ فَرَوَيْنَاهَا فِي نُسْخَتِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ عَدِيٍّ مَوْصُولَةً ، وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ مُجَمِّعٍ وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمِّعٍ - بِالْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ - الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ فَوَصَلَهَا الْبَغَوِيُّ ، وَابْنُ السَّكَنِ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ قَالَ ابْنُ السَّكَنِ : لَمْ أَجِدْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ أَبِي لُبَابَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، إِلَّا ابْنَ مُجَمِّعٍ هَذَا ، وَجَعْفَرَ بْنَ بُرْقَانَ ، وَفِي رِوَايَتِهِمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ مَقَالٌ . انْتَهَى .
وَغَفَلَ عَمَّا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ عِنْدَهُ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ عَنْهُ ؛ فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَذْهَلُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ تَقَعْ لَهُ مَوْصُولَةً مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَفْصَةَ ، وَصَالِحٍ ، فَصَارَ مَنْ رَوَاهُ بِالْجَمْعِ أَرْبَعَةً ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُقَارِبُ الْخَمْسَةَ الَّذِينَ رَوَوْهُ بِالشَّكِّ إِلَّا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ الَّذِي رَأَى ابْنَ عُمَرَ هُوَ أَبُو لُبَابَةَ بِغَيْرِ شَكٍّ ، وَهُوَ يُرَجِّحُ مَا جَنَحَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ تَقْدِيمِهِ لِرِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَعْمَرٍ الْمُقْتَصِرَةِ عَلَى ذِكْرِ أَبِي لُبَابَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَيْسَ لِزَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ - أَخِي عُمَرَ - رِوَايَةٌ فِي الصَّحِيحِ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ الْجِنَّ لَا تَتَمَثَّلُ بِذِي الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرِ ، فَلِذَلِكَ أَذِنَ فِي قَتْلِهِمَا . وَسَيَأْتِي التَّعَقُّبُ عَلَيْهِ بَعْدَ قَلِيلٍ .
وَفِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الْحَيَّاتِ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ إِلَّا بَعْدَ الْإِنْذَارِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَبْتَرَ أَوْ ذَا طُفْيَتَيْنِ فَيَجُوزُ قَتْلُهُ بِغَيْرِ إِنْذَارٍ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ الْإِذْنُ فِي قَتْلِ غَيْرِهِمَا بَعْدَ الْإِنْذَارِ ، وَفِيهِ : فَإِنْ ذَهَبَ وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ لِلْإِرْشَادِ ، نَعَمْ مَا كَانَ مِنْهَا مُحَقَّقَ الضَّرَرِ وَجَبَ دَفْعُهُ .