بَاب خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ كَثِيرٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا رَفَعَهُ قَالَ : خَمِّرُوا الْآنِيَةَ ، وَأَوْكُوا الْأَسْقِيَةَ ، وَأَجِيفُوا الْأَبْوَابَ ، وَاكْفِئُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ الْمساءِ ؛ فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً ، وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ ؛ فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا اجْتَرَّتْ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَحَبِيبٌ عَنْ عَطَاءٍ : فَإِنَّ لِلشَّيَاطِينِ . الثَّانِي عَشَرَ : حَدِيثُ جَابِرٍ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا كَثِيرٌ ) هُوَ ابْنُ شِنْظِيرٍ - بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا ظَاءٌ مُعْجَمَةٌ - بَصْرِيٌّ قَدْ قَالَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ بِشَيْءٍ ، قَالَ الْحَاكِمُ : مُرَادُهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنَ الْحَدِيثِ مَا يَشْتَغِلُ بِهِ . وَقَدْ قَالَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ مَرَّةً : صَالِحٌ ، وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ . وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : أَرْجُو أَنْ تَكُونَ أَحَادِيثُهُ مُسْتَقِيمَةً .
قُلْتُ وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ، قَدْ تُوبِعَ عَلَيْهِ كَمَا تَرَاهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ ، وَآخَرُ فِي السَّلَامِ عَلَى الْمُصَلِّي ، وَلَهُ مُتَابِعٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ . قَوْلُهُ : ( رَفَعَهُ ) كَذَا هُنَا ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( خَمِّرُوا الْآنِيَةَ ) أَيْ غَطُّوهَا .
وَمَضَى فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ : وَخَمِّرْ إِنَاءَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَلَوْ أَنْ تُعَرِّضَ عَلَيْهِ شَيْئًا ، وَهُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَبِكَسْرِهَا . وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي الْأَشْرِبَةِ . قَوْلُهُ : ( وَأَوْكِئُوا ) بِكَسْرِ الْكَافِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ أَيِ ارْبُطُوهَا وَشُدُّوهَا ، وَالْوِكَاءُ اسْمُ مَا يُسَدُّ بِهِ فَمُ الْقِرْبَةِ .
قَوْلُهُ : ( وَأَجِيفُوا ) بِالْجِيمِ وَالْفَاءِ أَيْ أَغْلِقُوهَا تَقُولُ : أَجَفْتُ الْبَابَ إِذَا أَغْلَقْتُهُ . وَقَالَ الْقَزَّازُ : تَقُولُ جَفَأْتُ الْبَابَ أَغْلَقْتُهُ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ هَكَذَا غَيْرَهُ ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ أَجِيفُوا لَامُهُ فَاءٌ ، وَجَفَأْتُ لَامُهُ هَمْزَةٌ .
زَادَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ : وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا . قَوْلُهُ : ( وَاكْفِتُوا ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ أَيْ ضُمُّوهُمْ إِلَيْكُمْ ، وَالْمَعْنَى : امْنَعُوهُمْ مِنَ الْحَرَكَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ . قَوْلُهُ : ( عِنْدَ الْمَسَاءِ ) فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي هَذَا الْبَابِ : إِذَا جَنَحَ اللَّيْلُ أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ .
قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطَفَةً ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ ، فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ : فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ وَإِذَا ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : فَإِذَا ذَهَبَ وَكَأَنَّهُ ذَكَّرَهُ بِاعْتِبَارِ الْوَقْتِ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ ) هِيَ الْفَأْرَةُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ . قَوْلُهُ : ( اجْتَرَّتْ ) بِالْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ رُبَّمَا جَرَّتْ وَسَيَأْتِي فِي الِاسْتِئْذَانِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا لَا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا عَامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ نَارُ السِّرَاجِ وَغَيْرُهُ ، وَأَمَّا الْقَنَادِيلُ الْمُعَلَّقَةُ فَإِنْ خِيفَ بِسَبَبِهَا حَرِيقٌ دَخَلَتْ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ حَصَلَ الْأَمْنُ مِنْهَا كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فَلَا بَأْسَ بِهَا لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : جَمِيعُ أَوَامِرِ هَذَا الْبَابِ مِنْ بَابِ الْإِرْشَادِ إِلَى الْمَصْلَحَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلنَّدْبِ ، وَلَا سِيَّمَا فِي حَقِّ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِنِيَّةِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ الْأَمْرَ بِغَلْقِ الْأَبْوَابِ عَامٌّ فِي الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُقَيَّدٌ بِاللَّيْلِ ; وَكَأَنَّ اخْتِصَاصَ اللَّيْلِ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّهَارَ غَالِبًا مَحَلُّ التَّيَقُّظِ بِخِلَافِ اللَّيْلِ ، وَالْأَصْلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسُوقُ الْفَأْرَةَ إِلَى حَرْقِ الدَّارِ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَحَبِيبٌ ، عَنْ عَطَاءٍ فَإِنَّ لِلشَّيَاطِينِ ) يَعْنِي أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ ، وَحَبِيبًا - وَهُوَ الْمُعَلِّمُ - رَوَيَا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ كَمَا رَوَاهُ كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ ، إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا فِي رِوَايَتِهِمَا : فَإِنَّ لِلشَّيْطَانِ بَدَلَ قَوْلِ كَثِيرٍ فِي رِوَايَتِهِ فَإِنَّ لِلْجِنِّ وَرِوَايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ قَدْ تَقَدَّمَتْ مَوْصُولَةً فِي أَوَائِلِ هَذَا الْبَابِ ، وَرِوَايَةُ حَبِيبٍ وَصَلَهَا أَحْمَدُ ، وَأَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ حَبِيبٍ الْمَذْكُورِ .