بَاب خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : نَزَلَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ ، فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ ، فَأَمَرَ بِجَهَازِهِ ، فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا ، ثُمَّ أَمَرَ بِبَيْتِهَا فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ : فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً ؟! الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ . قَوْلُهُ : ( نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ) قِيلَ هُوَ الْعُزَيْرُ ، وَرَوَى الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْكَلَابَاذِيُّ فِي مَعَانِي الْأَخْبَارِ وَالْقُرْطُبِيُّ فِي التَّفْسِيرِ .
قَوْلُهُ : ( فَلَدَغَتْهُ ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ قَرَصَتْهُ ، وَلَيْسَ هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَإِنَّ ذَاكَ مَعْنَاهُ الْإِحْرَاقُ . قَوْلُهُ : ( فَأَمَرَ بِجَهَازِهِ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا بَعْدَهَا زَايٌ أَيْ مَتَاعِهِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَمَرَ بِبَيْتِهَا فَأُحْرِقَ ) أَيْ بَيْتَ النَّمْلِ ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ الْمَاضِيَةِ فِي الْجِهَادِ فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ ، وَقَرْيَةُ النَّمْلِ مَوْضِعُ اجْتِمَاعِهِنَّ ، وَالْعَرَبُ تُفَرِّقُ فِي الْأَوْطَانِ فَيَقُولُونَ لِمَسْكَنِ الْإِنْسَانِ وَطَنٌ ، وَلِمَسْكَنِ الْإِبِلِ عَطَنٌ ، وَلِلْأَسَدِ عَرِينٌ وَغَابَةٌ ، وَلِلظَّبْيِ كِنَاسٌ ، وَلِلضَّبِّ وِجَارٌ ، وَلِلطَّائِرِ عُشٌّ ، وَلِلزُّنْبُورِ كَوْرٌ ، وَلِلْيَرْبُوعِ نَافِقٌ ، وَلِلنَّمْلِ قَرْيَةٌ .
قَوْلُهُ : ( فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً ) يَجُوزُ فِيهِ النَّصْبُ عَلَى تَقْدِيرِ عَامِلٍ مَحْذُوفٍ ، تَقْدِيرُهُ : فَهَلَّا أَحْرَقْتَ نَمْلَةً وَاحِدَةً ، وَهِيَ الَّتِي آذَتْكَ بِخِلَافِ غَيْرِهَا فَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهَا جِنَايَةٌ . وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ إِحْرَاقِ الْحَيَوَانِ الْمُؤْذِي بِالنَّارِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا لَمْ يَأْتِ فِي شَرْعِنَا مَا يَرْفَعُهُ ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ وَرَدَ عَلَى لِسَانِ الشَّارِعِ مَا يُشْعِرُ بِاسْتِحْسَانِ ذَلِكَ ، لَكِنْ وَرَدَ فِي شَرْعِنَا النَّهْيُ عَنِ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ جَائِزًا فِي شَرْعِ ذَلِكَ النَّبِيِّ جَوَازُ قَتْلِ النَّمْلِ وَجَوَازُ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الْعَتْبُ فِي أَصْلِ الْقَتْلِ وَلَا فِي الْإِحْرَاقِ ، بَلْ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّمْلَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَأَمَّا فِي شَرْعِنَا فَلَا يَجُوزُ إِحْرَاقُ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ إِلَّا فِي الْقِصَاصِ بِشَرْطِهِ ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا قَتْلُ النَّمْلِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي السُّنَنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ قَتْلِ النَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ انْتَهَى ، وَقَدْ قَيَّدَ غَيْرُهُ كَالْخَطَّابِيِّ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِهِ مِنَ النَّمْلِ بِالسُّلَيْمَانِيِّ ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ : النَّمْلُ الصَّغِيرُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الذَّرُّ يَجُوزُ قَتْلُهُ ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ عَنِ الصَّيْمَرِيِّ وَبِهِ جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ . وَفِي قَوْلِهِ أَنَّ الْقَتْلَ وَالْإِحْرَاقَ كَانَ جَائِزًا فِي شَرْعِ ذَلِكَ النَّبِيِّ نَظَرٌ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُعَاتَبْ أَصْلًا وَرَأْسًا إِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْأَذَى طَبْعُهُ .
وَقَالَ عِيَاضٌ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ كُلِّ مُؤْذٍ . وَيُقَالُ : إِنَّ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ سَبَبًا ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِذُنُوبِ أَهْلِهَا فَوَقَفَ مُتَعَجِّبًا فَقَالَ : يَا رَبِّ قَدْ كَانَ فِيهِمْ صِبْيَانٌ وَدَوَابٌّ وَمَنْ لَمْ يَقْتَرِفْ ذَنْبًا ، ثُمَّ نَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَجَرَتْ لَهُ هَذِهِ الْقِصَّةُ ، فَنَبَّهَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا عَلَى أَنَّ الْجِنْسَ الْمُؤْذِيَ يُقْتَلُ وَإِنْ لَمْ يُؤْذِ ، وَتُقْتَلُ أَوْلَادُهُ وَإِنْ لَمْ تَبْلُغِ الْأَذَى انْتَهَى . وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ .
وَإِنْ ثَبَتَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ تَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمْ يُعَاتَبْ إِنْكَارًا لِمَا فَعَلَ بَلْ جَوَابًا لَهُ وَإِيضَاحًا لِحِكْمَةِ شُمُولِ الْهَلَاكِ لِجَمِيعِ أَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ ، فَضَرَبَ لَهُ الْمَثَلَ بِذَلِكَ أَيْ إِذَا اخْتَلَطَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْإِهْلَاكَ بِغَيْرِهِ وَتَعَيَّنَ إِهْلَاكَ الْجَمِيعِ طَرِيقًا إِلَى إِهْلَاكِ الْمُسْتَحِقِّ جَازَ إِهْلَاكُ الْجَمِيعِ ، وَلِهَذَا نَظَائِرُ كَتَتَرُّسِ الْكُفَّارِ بِالْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : النَّمْلُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ، فَكَيْفَ أُشِيرَ فِي الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَحْرَقَ نَمْلَةً وَاحِدَةً جَازَ مَعَ أَنَّ الْقِصَاصَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْمِثْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ثُمَّ أَجَابَ بِتَجْوِيزِ أَنَّ التَّحْرِيقَ كَانَ جَائِزًا عِنْدَهُ ، ثُمَّ قَالَ : يَرُدُّ عَلَى قَوْلِنَا كَانَ جَائِزا : لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا ذُمَّ عَلَيْهِ .
وَأَجَابَ بِأَنَّهُ قَدْ يُذَمُّ الرَّفِيعُ الْقَدْرِ عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى انْتَهَى . وَالتَّعْبِيرُ بِالذَّمِّ فِي هَذَا لَا يَلِيقُ بِمَقَامِ النَّبِيِّ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَبَّرَ بِالْعِتَابِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ إِنَّمَا عَاتَبَهُ اللَّهُ حَيْثُ انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ بِإِهْلَاكِ جَمْعٍ آذَاهُ مِنْهُ وَاحِدٌ ، وَكَانَ الْأَوْلَى بِهِ الصَّبْرُ وَالصَّفْحُ ، وَكَأَنَّهُ وَقَعَ لَهُ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مُؤْذٍ لِبَنِي آدَمَ وَحُرْمَةُ بَنِي آدَمَ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْحَيَوَانِ ، فَلَوِ انْفَرَدَ هَذَا النَّظَرُ وَلَمْ ينضم إِلَيْهِ التَّشَفِّي لَمْ يُعَاتَبْ .
قَالَ : وَالَّذِي يُؤَيِّدُ هَذَا التَّمَسُّكَ بِأَصْلِ عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِاللَّهِ وَبِأَحْكَامِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً انْتَهَى . ( تَكْمِلَةٌ ) : النَّمْلَةُ وَاحِدَةُ النَّمْلِ وَجَمْعُ الْجَمْعِ نِمَالٌ . وَالنَّمْلُ أَعْظَمُ الْحَيَوَانَاتِ حِيلَةً فِي طَلَبِ الرِّزْقِ .
وَمِنْ عَجِيبِ أَمْرِهِ أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ شَيْئًا وَلَوْ قَلَّ أَنْذَرَ الْبَاقِينَ ، وَيَحْتَكِرُ فِي زَمَنِ الصَّيْفِ لِلشِّتَاءِ ، وَإِذَا خَافَ الْعَفَنَ عَلَى الْحَبِّ أَخْرَجَهُ إِلَى ظَاهِرِ الْأَرْضِ وَإِذَا حَفَرَ مَكَانَهُ اتَّخَذَهَا تَعَارِيجَ ؛ لِئَلَّا يَجْرِيَ إِلَيْهَا مَاءُ الْمَطَرِ ، وَلَيْسَ فِي الْحَيَوَانِ مَا يَحْمِلُ أَثْقَلَ مِنْهُ غَيْرُهُ ، وَالذَّرُّ فِي النَّمْلِ كَالزُّنْبُورِ فِي النَّحْلِ . قَوْلُهُ : ( أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ مُسَبِّحَةٌ ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَيَوَانَ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى حَقِيقَةً ، وَيَتَأَيَّدُ بِهِ قَوْلُ مَنْ حَمَلَ قَوْلَهُ : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْحَمْلَ عَلَى الْمَجَازِ بِأَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلتَّسْبِيحِ .