بَاب وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ وباب ذِكْرِ إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَام
بَاب : ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ١٢٣ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ ﴾- إلى - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ ﴾قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُذْكَرُ بِخَيْرٍ . ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ﴾﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ٨٠ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴾يُذْكَرُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ إِلْيَاسَ هُوَ إِدْرِيسُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ١٢٣ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ ﴾- إِلَى - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ ﴾ سَقَطَ لَفْظُ بَابُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ رَجَحَ عِنْدَهُ كَوْنُ إِدْرِيسَ لَيْسَ مِنْ أَجْدَادِ نُوحٍ فَلِهَذَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِي ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ .
وَإِلْيَاسُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَهُوَ اسْمٌ عِبْرَانِيٌّ . وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ﴾فَقَرَأَهُ الْأَكْثَرُ بِصُورَةِ الِاسْمِ الْمَذْكُورِ وَزِيَادَةِ يَاءٍ وَنُونٍ فِي آخِرِهِ . وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ آلِ يَاسِينَ بِفَصْلِ آلٍ مِنْ يَاسِينَ ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ أَنَّ الْمُرَادَ سَلَامٌ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بَعِيدٌ ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَخْبَرَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ فِيهِ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِأَنَّ السَّلَامَ عَلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ السَّلَامُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى إِلْيَاسَ الْمُبْدَأُ بِذِكْرِهِ ، وَإِنَّمَا زِيدَتْ فِيهِ الْيَاءُ وَالنُّونُ كَمَا قَالُوا فِي إِدْرِيسَ إِدْرَاسِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ﴾يُذْكَرُ بِخَيْرٍ . قَوْلُهُ : ( وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ إِلْيَاسَ هُوَ إِدْرِيسُ ) أَمَّا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَوَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْهُ ، قَالَ : إِلْيَاسُ هُوَ إِدْرِيسُ ، وَيَعْقُوبُ هُوَ إِسْرَائِيلُ . وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ .
فَوَصَلَهُ جُوَيْبِرٌ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنْهُ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ، وَلِهَذَا لَمْ يَجْزِمْ بِهِ الْبُخَارِيُّ . وَقَدْ أَخَذَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ مِنْ هَذَا أَنَّ إِدْرِيسَ لَمْ يَكُنْ جَدًّا لِنُوحٍ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ؛ لِأَنَّ إِلْيَاسَ قَدْ وَرَدَ أَنَّهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَجْدَادِهِ لَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ لَهُ آدَمُ وَإِبْرَاهِيمُ وَالِابْنِ الصَّالِحِ وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ جَيِّدٌ ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ وَالتَّلَطُّفِ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ نَصًّا فِيمَا زَعَمَ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي أَوَّلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ لَمَّا سَاقَ النَّسَبَ الْكَرِيمَ ، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى نُوحٍ قَالَ : ابْنُ لَمْكِ بْنِ مَتُّوشَلَخَ بْنِ خَنُوخَ وَهُوَ إِدْرِيسُ النَّبِيُّ فِيمَا يَزْعُمُونَ ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَأْخُوذٌ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ .
وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ فَالْأَكْثَرُ خَنُوخُ بِمُعْجَمَتَيْنِ بَعْدَ الْأُول نُونٌ بِوَزْنِ ثَمُودَ ، وَقِيلَ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ فِي أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ الْأُولَى ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ لَكِنْ بِحَذْفِ الْوَاوِ ، وَقِيلَ كَذَلِكَ لَكِنْ بَدَلَ الْخَاءِ الْأُولَى هَاءٌ ، وَقِيلَ : كَالثَّانِي لَكِنْ بَدَلَ الْمُعْجَمَةِ مُهْمَلَةٌ . وَاخْتُلِفَ فِي لَفْظِ إِدْرِيسَ فَقِيلَ هُوَ عَرَبِيٌّ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الدِّرَاسَةِ ، وَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ دَرْسِهِ الصُّحُفَ ، وَقِيلَ : بَلْ هُوَ سُرْيَانِيٌّ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الطَّوِيلِ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّهُ كَانَ سُرْيَانِيًّا ، وَلَكِنْ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ كَوْنُ لَفْظِ إِدْرِيسَ عَرَبِيًّا إِذَا ثَبَتَ بِأَنَّ لَهُ اسْمَيْنِ . 5 - بَاب ذِكْرِ إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَام ، وَهُوَ جَدُّ أَبِي نُوحٍ ، وَيُقَالُ : جَدُّ نُوحٍ عَلَيْهِمَا السَّلَام .
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴾3342 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ . ح حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : كَانَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ، فَفَرَجَ صَدْرِي ، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا ، فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي ، ثُمَّ أَطْبَقَهُ ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي ، فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ ، فَلَمَّا جَاءَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ : افْتَحْ ، قَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا جِبْرِيلُ ، قَالَ : مَعَكَ أَحَدٌ ؟ قَالَ : مَعِي مُحَمَّدٌ ، قَالَ : أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ فَافْتَحْ ، فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا ، إِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى . فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ، وَالِابْنِ الصَّالِحِ ، قُلْتُ : مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَذَا آدَمُ ، وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ : نَسَمُ بَنِيهِ ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ ، وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى .
ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا : افْتَحْ ، فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُ ، فَفَتَحَ . قَالَ أَنَسٌ : فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ إِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ ، وَلَمْ يُثْبِتْ لِي كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ . وَقَالَ أَنَسٌ : فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِإِدْرِيسَ قَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ ، فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا إِدْرِيسُ ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى ، فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ ، وقُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا مُوسَى ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى ، فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ ، قُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : عِيسَى ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ ، فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ ، قُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا إِبْرَاهِيمُ .
قَالَ : وَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَأَبَا حَيَّةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ . قَالَ ابْنُ حَزْمٍ ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً ، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى ، فَقَالَ مُوسَى : مَا الَّذِي فَرَضَ عَلَى أُمَّتِكَ ؟ قُلْتُ : فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً ، قَالَ : فَرَاجِعْ رَبَّكَ ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ، فَرَجَعْتُ ، فَرَاجَعْتُ رَبِّي ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ، فَقَالَ : رَاجِعْ رَبَّكَ . فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ، فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : رَاجِعْ رَبَّكَ ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ، فَرَجَعْتُ ، فَرَاجَعْتُ رَبِّي ، فَقَالَ : هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ .
فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ، فَقَالَ : رَاجِعْ رَبَّكَ ، فَقُلْتُ : قَدْ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي . ثُمَّ انْطَلَقَ ، حَتَّى أَتَى السِّدْرَةَ الْمُنْتَهَى فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ . ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ .
قَوْلُهُ : ( بَابُ ذِكْرِ إِدْرِيسَ ) سَقَطَ لَفْظُ بَابُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الْحَفْصِيِّ وَهُوَ جَدُّ أَبِي نُوحٍ وَقِيلَ : جَدُّ نُوحٍ . قُلْتُ : الْأَوَّلُ أَوْلَى مِنَ الثَّانِي مَا تَقَدَّمَ ، وَلَعَلَّ الثَّانِيَ أَطْلَقَ ذَلِكَ مَجَازًا لِأَنَّ جَدَّ الْأَبِ جَدٌّ . وَنَقَلَ بَعْضُهُمُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ جَدٌّ لِنُوحٍ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ إِلْيَاسَ هُوَ إِدْرِيسُ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ إِدْرِيسُ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ ، لَا أَنَّ نُوحًا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ : وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ - إِلَى أن قال - وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِلْيَاسَ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ ، سَوَاءٌ قُلْنَا إِنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ : وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ - لِنُوحٍ أَوْ لِإِبْرَاهِيمَ ، لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ ، فَمَنْ كَانَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ فَهُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ لَا مَحَالَةَ .
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأِ أَنَّ إِلْيَاسَ هُوَ ابْنُ نُسَيِّ بْنِ فَنُحَاصَ بْنِ الْعَيْزَارِ بْنِ هَارُونَ أَخِي مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَذَكَرَ وَهْبٌ فِي الْمُبْتَدَأِ أَنَّ إِلْيَاسَ عَمَّرَ كَمَا عَمَّرَ الْخَضِرُ ، وَأَنَّهُ يَبْقَى إِلَى آخِرِ الدُّنْيَا فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ إِلْيَاسَ اجْتَمَعَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَكَلَا جَمِيعًا ، وَأَنَّ طُولَهُ ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ ، وَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّهُ لَا يَأْكُلُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ، أَوْرَدَهُ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ الْبَلَوِيِّ وَقَالَ : إِنَّهُ خَبَرٌ بَاطِلٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴾ ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى مَا وَقَعَ فِيهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَهُوَ مَكَانٌ عَلِيٌّ بِغَيْرِ شَكٍّ ، وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَرْفَعُ مَكَانًا مِنْهُ ، ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُرْفَعْ إِلَى السَّمَاءِ مَنْ هُوَ حَيٌّ غَيْرُهُ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ عِيسَى أَيْضًا قَدْ رُفِعَ وَهُوَ حَيٌّ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَكَوْنُ إِدْرِيسَ رُفِعَ وَهُوَ حَيٌّ لَمْ يَثْبُتْ مِنْ طَرِيقٍ مَرْفُوعَةٍ قَوِيَّةٍ ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ كَعْبًا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴾أَنَّ إِدْرِيسَ سَأَلَ صَدِيقًا لَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، فَحَمَلَهُ بَيْنَ جَنَاحَيْهِ ، ثُمَّ صَعِدَ بِهِ ، فَلَمَّا كَانَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ تَلَقَّاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ ، فَقَالَ لَهُ : أُرِيدُ أَنْ تُعْلِمَنِي كَمْ بَقِيَ مِنْ أَجَلِ إِدْرِيسَ ، قَالَ : وَأَيْنَ إِدْرِيسُ ؟ قَالَ : هُوَ مَعِي ، فَقَالَ : إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ، أُمِرْتُ بِأَنْ أَقْبِضَ رُوحَهُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ .
فَقُلْتُ : كَيْفَ ذَلِكَ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ ؟ فَقَبَضَ رُوحَهُ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴾. وَهَذه مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ . وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّ إِدْرِيسَ رُفِعَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الطَّوِيلِ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ إِدْرِيسَ كَانَ نَبِيًّا رَسُولًا وَأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ لَهُ أَوَّلِيَّاتٍ كَثِيرَةً ، مِنْهَا أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ خَاطَ الثِّيَابَ .
( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ وَقَالَ عَبْدَانُ وَفِي رِوَايَتِنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا عَبْدَانُ وَصَلَهُ أَيْضًا الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ اللَّيْثِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ وَهُوَ عَبْدَانُ بِهِ .