بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا
بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا وقوله : كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ . الْحِجْرُ : مَوْضِعُ ثَمُودَ ، وَأَمَّا حَرْثٌ حِجْرٌ حَرَامٌ ، وَكُلُّ مَمْنُوعٍ فَهُوَ حِجْرٌ ، ومنه : حجر مَحْجُورٌ وَالْحِجْرُ : كُلُّ بِنَاءٍ بَنَيْتَهُ ، وَمَا حَجَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ : فَهُوَ حِجْرٌ ، وَمِنْهُ سُمِّيَ حَطِيمُ الْبَيْتِ حِجْرًا ، كَأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ مَحْطُومٍ ، مِثْلُ قَتِيلٍ مِنْ مَقْتُولٍ ، وَيُقَالُ لِلْأُنْثَى مِنْ الْخَيْلِ : حِجْرُ ، وَيُقَالُ لِلْعَقْلِ : حِجْرٌ وَحِجًى ، وَأَمَّا حَجْرُ الْيَمَامَةِ : فَهُوَ الْمَنْزِل . 3377 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرَ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ - قَالَ : انْتَدَبَ لَهَا رَجُلٌ ذُو عِزٍّ وَمَنَعَةٍ فِي قَوْمِهِ كَأَبِي زَمْعَةَ .
قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللِّهِ تَعَالَى : وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا - وَقَوْلُهُ - كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ هُوَ صَالِحُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ أَسِيفِ بْنِ مَاشَخِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ حَاجِرِ بْنِ ثَمُودَ بْنِ عَامرِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ ، وَكَانَتْ مَنَازِلُهُمْ بِالْحِجْرِ ، وَهُوَ بَيْنَ تَبُوكَ وَالْحِجَازِ . قَوْلُهُ : ( الْحِجْرُ مَوْضِعُ ثَمُودَ ، وَأَمَّا حَرْثٌ حِجْرٌ : حَرَامٌ ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ أَيْ حَرَامٌ . قَوْلُهُ : ( وَكُلُّ مَمْنُوعٍ فَهُوَ حِجْرٌ ، وَمِنْهُ حِجْرًا مَحْجُورًا ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا أَيْ حَرَامًا مُحَرَّمًا .
قَوْلُهُ : ( وَالْحِجْرُ كُلُّ بِنَاءٍ بَنَيْتَهُ ، وَمَا حَجَرْتَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَرْضِ فَهُوَ حِجْرٌ ، وَمِنْهُ سُمِّيَ حَطِيمُ الْبَيْتِ حِجْرًا ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : وَمِنَ الْحَرَامِ سُمِّيَ حِجْرُ الْكَعْبَةِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : سُمِّيَ حُطَامًا لِأَنَّهُ أُخْرِجَ مِنَ الْبَيْتِ وَتُرِكَ هُوَ مَحْطُومًا ، وَقِيلَ : الْحَطِيمُ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ ، سُمِّيَ حَطِيمًا لِازْدِحَامِ النَّاسِ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( كَأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ مَحْطُومٍ ) أَيِ الْحَطِيمَ ( مِثْلُ قَتِيلٍ مِنْ مَقْتُولٍ ) وَهَذَا عَلَى رَأْيِ الْأَكْثَرِ ، وَقِيلَ : سُمِّيَ حَطِيمًا لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَطْرَحُ فِيهِ ثِيَابَهَا الَّتِي تَطُوفُ فِيهَا وَتَتْرُكُهَا حَتَّى تَتَحَطَّمَ وَتَفْسُدَ بِطُولِ الزَّمَانِ ، وَسَيَأْتِي هَذَا فِيمَا بَعْدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَعَلَى هَذَا هُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ ، وَقِيلَ : سُمِّيَ حَطِيمًا لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْكَعْبَةِ ، فَأُخْرِجَ عَنْهَا ؛ وَكَأَنَّهُ كُسِرَ مِنْهَا . فَيَصِحُّ لَهُمْ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ .
وَقَوْلُهُ : مُشْتَقٌّ لَيْسَ هُوَ مَحْمُولًا عَلَى الِاشْتِقَاقِ الَّذِي حَدَثَ اصْطِلَاحُهُ . قَوْلُهُ : ( وَيُقَالُ لِلْأُنْثَى مِنَ الْخَيْلِ حِجْرٌ ، وَيُقَالُ لِلْعَقْلِ حِجْرٌ وَحِجَى ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لِذِي حِجْرٍ أَيْ عَقْلٍ ، قَالَ : وَيُقَالُ لِلْأُنْثَى مِنَ الْخَيْلِ : حِجْرٌ . قَوْلُهُ : ( وَأَمَّا حِجْرُ الْيَمَامَةِ فَهُوَ الْمَنْزِلُ ) ذَكَرَهُ اسْتِطْرَادًا ، وَإِلَّا فَهَذَا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ هِيَ قَصَبَةُ الْيَمَامَةِ الْبَلَدُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ .
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ فِي ذِكْرِ عَاقِرِ النَّاقَةِ . قَوْلُهُ : ( وَمَنَعَةٍ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالنُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ . قَوْلُهُ : ( فِي قَوْمِهِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَالسَّرَخْسِيِّ فِي قُوَّةٍ .
قَوْلُهُ : ( كَأَبِي زَمْعَةَ ) هُوَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ حَيْثُ سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ مُطَوَّلًا . وَلَيْسَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ ، وَقَدْ فَرَّقَهَا فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ . وَعَاقِرُ النَّاقَةِ اسْمُهُ قِدَارُ بْنُ سَالِفٍ ، قِيلَ : كَانَ أَحْمَرَ أَزْرَقَ أَصْهَبَ .
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ سَبَبَ عَقْرِهِمُ النَّاقَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا اقْتَرَحُوهَا عَلَى صَالِحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ تَعَنَّتُوا فِي وَصْفِهَا ، فَأَخْرَجَ اللَّهُ لَهُ نَاقَةً مِنْ صَخْرَةٍ بِالصِّفَةِ الْمَطْلُوبَةِ ، فَآمَنَ بَعْضٌ وَكَفَرَ بَعْضٌ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَتْرُكُوا النَّاقَةَ تَرْعَى حَيْثُ شَاءَتْ وَتَرِدُ الْمَاءَ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ ، وَكَانَتْ إِذَا وَرَدَتْ تَشْرَبُ مَاءَ الْبِئْرِ كُلِّهِ ، وَكَانُوا يَرْفَعُونَ حَاجَتَهُمْ مِنَ الْمَاءِ فِي يَوْمِهِمْ لِلْغَدِ ، ثُمَّ ضَاقَ بِهِمُ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ فَانْتَدَبَ تِسْعَةَ رَهْطٍ - مِنْهُمْ قِدَارُ الْمَذْكُورُ فَبَاشَرَ عَقْرَهَا ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ صَالِحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ أَعْلَمَهُمْ بِأَنَّ الْعَذَابَ سَيَقَعُ بِهِمْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، فَوَقَعَ كَذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ : أنَّ النَّاقَةَ كَانَتْ تَرِدُ يَوْمَهَا فَتَشْرَبُ جَمِيعَ الْمَاءِ وَيَحْتَلِبُونَ مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي كَانَتْ تَشْرَبُ . وَفِي سَنَدِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، وَفِي رِوَايَتِهِ عَنْ غَيْرِ الشَّامِيِّينَ ضَعْفٌ وَهَذَا مِنْهَا .