حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا

بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا وَقَوْلِهِ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ وَقَوْلِهِ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ : الرَّحِيمُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ 3349 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ، ثُمَّ قَرَأَ : كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ ، وَإِنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ ، فَأَقُولُ : أَصْحَابِي ، أَصْحَابِي ، فَيَقُولُ : إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ ، فَأَقُولُ : كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ إِلَى قَوْلِهِ : الْحَكِيمُ قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا وَقَوْلُهُ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ وَقَوْلُهُ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ إِلَى ثَنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَإِبْرَاهِيمُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ مَعْنَاهُ أَبٌ رَاحِمٌ ، وَالْخَلِيلُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ وَهُوَ مِنَ الْخُلَّةِ بِالضَّمِّ وَهِيَ الصَّدَاقَةُ وَالْمَحَبَّةُ الَّتِي تَخَلَّلَتِ الْقَلْبَ فَصَارَتْ خِلَالَهُ ، وَهَذَا صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فِي قَلْبِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى . وَأَمَّا إِطْلَاقُهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَعَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ ، وَقِيلَ : الْخُلَّةُ أَصْلُهَا الِاسْتِصْفَاءُ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُوَالِي وَيُعَادِي فِي اللَّهِ تَعَالَى ، وَخُلَّةُ اللَّهِ لَهُ نَصْرُهُ وَجَعْلُهُ إِمَامًا ، وَقِيلَ هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْخَلَّةِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الْحَاجَةُ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِانْقِطَاعِهِ إِلَى رَبِّهِ وَقَصْرِهِ حَاجَتَهُ عَلَيْهِ ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ الْآيَةِ فِي تَفْسِيرِ النَّحْلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ ابْنُ آزَرَ - وَاسْمُهُ تَارَحُ بِمُثَنَّاةٍ وَرَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ - ابْنُ نَاحُورَ - بِنُونٍ وَمُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ - ابْنِ شَارُوخَ - بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ مَضْمُومَةٍ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ - ابْنِ رَاغُوءَ - بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ - ابْنِ فَالَخَ - بِفَاءٍ وَلَامٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ - ابْنِ عَبِيرَ - وَيُقَالُ عَابِرَ ، وَهُوَ بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ - ابْنِ شَالِخَ - بِمُعْجَمَتَيْنِ - ابْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ .

لَا يَخْتَلِفُ جُمْهُورُ أَهْلِ النَّسَبِ وَلَا أَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ ، إِلَّا فِي النُّطْقِ بِبَعْضِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ . نَعَمْ سَاقَ ابْنُ حِبَّانَ فِي أَوَّلِ تَارِيخِهِ خِلَافَ ذَلِكَ وَهُوَ شَاذٌّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ : الرَّحِيمُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ ) يَعْنِي الْأَوَّاهُ ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ وَكِيعٌ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ : الْأَوَّاهُ الرَّحِيمُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ .

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ : الْأَوَّاهُ الرَّحِيمُ ، وَلَمْ يَقُلْ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ أَحَدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ الْأَوَّاهُ ؟ قَالَ : الْخَاشِعُ الْمُتَضَرِّعُ فِي الدُّعَاءِ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْأَوَّاهُ الْمُوقِنُ . وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ : الْأَوَّاهُ الْحَفِيظُ ، الرَّجُلُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ سِرًّا ثُمَّ يَتُوبُ مِنْهُ سِرًّا .

وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الْأَوَّاهُ الْمُنِيبُ : الْفَقِيهُ الْمُوَفَّقُ . وَمِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : الْأَوَّاهُ الْمُسيحُ . وَمِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي قَوْلِهِ أَوَّاهٌ قَالَ : كَانَ إِذَا ذَكَرَ النَّارَ قَالَ أَوَّاهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ .

وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : كَانَ رَجُلٌ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَقُولُ فِي دُعَائِهِ : أَوَّهْ أَوَّهْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ لَأَوَّاهٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ فِيهِ رَجُلًا مُبْهَمًا ، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّهُ فَعَّالٌ مِنَ التَّأَوُّهِ وَمَعْنَاهُ مُتَضَرِّعٌ شَفَقًا وَلُزُومًا لِطَاعَةِ رَبِّهِ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ عِشْرِينَ حَدِيثًا : أَحَدُهَا : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِفَةِ الْحَشْرِ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ قَوْلُهُ : وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ حُلَّةً مِنَ الْجَنَّةِ ، وَيُؤْتَى بِكُرْسِيٍّ فَيُطْرَحُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ ، وَيُؤْتَى بِي فَأُكْسَى حُلَّةً لَا يَقُومُ لَهَا الْبَشَرُ ، وَيُقَالُ إِنَّ الْحِكْمَةَ فِي خُصُوصِيَّةِ إِبْرَاهِيمَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ أُلْقِيَ فِي النَّارِ عُرْيَانًا ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ . وَلَا يَلْزَمُ مِنْ خُصُوصِيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِذَلِكَ تَفْضِيلُهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ الْمَفْضُولَ قَدْ يَمْتَازُ بِشَيْءٍ يُخَصُّ بِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْفَضِيلَةُ الْمُطْلَقَةُ .

وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَا يَدْخُلُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ خِطَابِهِ . وَسَيَأْتِي مَزِيدا لِهَذَا فِي أَوَاخِرِ الرِّقَاقِ . وَقَدْ ثَبَتَ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوَّلِيَّاتٌ أُخْرَى كَثِيرَةٌ : مِنْهَا أَوَّلُ مَنْ ضَافَ الضَّيْفَ ، وَقَصَّ الشَّارِبَ وَاخْتَتَنَ وَرَأَى الشَّيْبَ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَقَدْ أَتَيْتُ عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ فِي كِتَابِي إِقَامَةُ الدَّلَائِلِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْأَوَائِلِ وَسَيَأْتِي شَرْحُ حَدِيثِ الْبَابِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث