بَاب فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ
بَاب : ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ ٦١ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴾بِرُكْنِهِ بِمَنْ مَعَهُ لِأَنَّهُمْ قُوَّتُهُ ، تَرْكَنُوا تَمِيلُوا ، فَأَنْكَرَهُمْ ونَكِرَهُمْ وَاسْتَنْكَرَهُمْ وَاحِدٌ ، يُهْرَعُونَ يُسْرِعُونَ ، دَابِرٌ : آخِرٌ ، صَيْحَةٌ : هَلَكَةٌ ، لِلْمُتَوَسِّمِينَ لِلنَّاظِرِينَ ، لَبِسَبِيلٍ لَبِطَرِيقٍ 3376 - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ قَوْلُهُ : ( بَابُ : ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ ٦١ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴾ أَيْ أَنْكَرَهُمْ لُوطٌ . قَوْلُهُ : بِرُكْنِهِ بِمَنْ مَعَهُ لِأَنَّهُمْ قُوَّتُهُ ) هُوَ تَفْسِيرُ الْفَرَّاءِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَبِجَانِبِهِ سَوَاءٌ ، إِنَّمَا يَعْنِي نَاحِيَتَهُ .
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ : أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ أَيْ عَشِيرَةٍ عَزِيزَةٍ مَنِيعَةٍ . كَذَا أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِي قِصَّةِ لُوطٍ ، وَهُوَ وَهْمٌ فَإِنَّهَا مِنْ قِصَّةِ مُوسَى وَالضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ وَقَعَ تِلْوَ قِصَّةِ لُوطٍ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى فِي آخِرِ قِصَّةِ لُوطٍ : ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ ﴾ثُمَّ قَالَ عَقِبَ ذَلِكَ : ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴾فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ أَوْ ذَكَرَهُ اسْتِطْرَادًا لِقَوْلِهِ فِي قِصَّةِ لُوطٍ : أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ قَوْلُهُ : تَرْكَنُوا تَمِيلُوا ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا لَا تَعْدِلُوا إِلَيْهِمْ وَلَا تَمِيلُوا ، تَقُولُ : رَكَنْتُ إِلَى قَوْلِكَ أَيْ أَحْبَبْتُهُ وَقَبِلْتُهُ ، وَهَذِهِ الْآيَةُ لَا تَتَعَلَّقُ بِقِصَّةِ لُوطٍ أَصْلًا . ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ ذَكَرَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ مِنْ أَجْلِ مَادَّةِ رَكَنَ بِدَلِيلِ إِيرَادِهِ الْكَلِمَةَ الْأُخْرَى وَهِيَ وَلَا تَرْكَنُوا .
قَوْلُهُ : ( فَأَنْكَرَهُمْ وَنَكِرَهُمْ وَاسْتَنْكَرَهُمْ وَاحِدٌ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : نَكِرَهُمْ وَأَنْكَرَهُمْ وَاحِدٌ وَكَذَلِكَ اسْتَنْكَرَهُمْ ، وَهَذَا الْإِنْكَارُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ غَيْرُ الْإِنْكَارِ مِنْ لُوطٍ ، لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَنْكَرَهُمْ لَمَّا لَمْ يَأْكُلُوا مِنْ طَعَامِهِ ، وَأَمَّا لُوطٌ فَأَنْكَرَهُمْ لَمَّا لَمْ يُبَالُوا بِمَجِيءِ قَوْمِهِ إِلَيْهِمْ ، وَلَكِنْ لَهَا تَعَلُّقٌ مَعَ كَوْنِهَا لِإِبْرَاهِيمَ بِقِصَّةِ لُوطٍ . قَوْلُهُ : ( يُهْرَعُونَ يُسْرِعُونَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ أَيْ يَسْتَحِثُّونَ إِلَيْهِ ، قَالَ الشَّاعِرُ : بِمُعَجَّلَاتٍ نَحْوَهُمْ نُهَارِعُ ، أَيْ نُسَارِعُ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ يُزْعِجُونَ مَعَ الْإِسْرَاعِ .
قَوْلُهُ : ( دَابِرَ آخِرَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ : أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ أَيْ آخِرَهُمْ . قَوْلُهُ : صَيْحَةً هَلَكَةً ) هُوَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ : إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً وَلَمْ أَعْرِفْ وَجْهَ دُخُولِهِ هُنَا ، لَكِنْ لَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْلِهِ : ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ﴾فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِقَوْمِ لُوطٍ . قَوْلُهُ : لِلْمُتَوَسِّمِينَ لِلنَّاظِرِينَ ) قَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾أَيْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ ، وَيُقَالُ : لِلنَّاظِرِينَ الْمُتَفَرِّسِينَ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَيِ الْمُتَبَصِّرِينَ الْمُتَثَبِّتِينَ .
قَوْلُهُ : لَبِسَبِيلٍ لَبِطَرِيقٍ ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ ; وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ وَإِنَّهَا يَعُودُ عَلَى مَدَائِنِ قَوْمِ لُوطٍ ، وَقِيلَ : يَعُودُ عَلَى الْآيَاتِ . ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يَعْنِي بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ الْقَمَرِ . ( تَنْبِيهَانِ ) : أَحَدُهُمَا : هَذِهِ التَّفَاسِيرُ وَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ .
( ثَانِيهِمَا ) : أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ عَقِبَ هَذَا قِصَّةَ ثَمُودَ وَصَالِحٍ ، وَقَدْ قَدَّمْتُهَا فِي مَكَانِهَا عَقِبَ قِصَّةِ عَادٍ وَهُودٍ ، وَكَأَنَّ السَّبَبَ فِي إِيرَادِهَا هُنَا أَنَّهُ لَمَّا أَوْرَدَ التَّفَاسِيرَ مِنْ سُورَةِ الْحِجْرِ كَانَ آخِرُهَا قَوْلَهُ : ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ﴾﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ ٧٨ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ ٧٩ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ﴾إِلَخْ ، فَجَاءَتْ قِصَّةُ ثَمُودٍ وَهُمْ أَصْحَابُ الْحِجْرِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ تَالِيَةً لِقِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ ، وَتَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا قِصَّةُ أَصْحَابِ الْأَيْكَةِ مُخْتَصَرَةً فَأَوْرَدَهَا مَنْ أَوْرَدَهَا عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ الِاعْتِذَارَ عَنْ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى .