بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُ رَحْمَت رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا
بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ٢ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ﴾قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا - إِلَى قَوْلِهِ - لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مِثْلًا ، يُقَالُ : رَضِيًّا مَرْضِيًّا ، عُتِيًّا عَصِيًّا ، عَتَا يَعْتُو . قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ - إِلَى قَوْلِهِ - ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا وَيُقَالُ : صَحِيحًا . ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ﴾فَأَوْحَى : فَأَشَارَ .
يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ - إِلَى قَوْلِهِ - وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا حَفِيًّا لَطِيفًا . عَاقِرًا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ . 3430- حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ ، ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَاسْتَفْتَحَ ، قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ ، قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ ، قِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا يَحْيَى وَعِيسَى ، وَهُمَا ابْنَا خَالَةٍ ، قَالَ : هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا ، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا ، ثُمَّ قَالَا : مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ﴾- إِلَى قَوْلِهِ - لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا فِي زَكَرِيَّا أَرْبَعُ لُغَاتٍ : الْمَدُّ وَالْقَصْرُ وَحَذْفُ الْأَلْفِ مَعَ تَخْفِيفِ الْيَاءِ وَفِيهِ تَشْدِيدُهَا أَيْضًا وَحَذْفُهَا ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : لَا يُصْرَفُ مَعَ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَثَلًا ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا يَقُولُ : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ مِثْلًا أَوْ شَبَهًا ، وَمِنْ طَرِيقِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قَالَ : لَمْ يُسَمَّ يَحْيَى قَبْلَهُ غَيْرَهُ ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ .
قَوْلُهُ : ( يُقَالُ رَضِيًّا : مَرْضِيًّا ) حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ قَالَ : مَرْضِيًّا تَرْضَاهُ أَنْتَ وَعِبَادُكَ . قَوْلُهُ : ( عِتِيًّا عِصِيًّا ، عَتَا يَعْتُو ) كَذَا فِيهِ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالصَّوَابُ بِالسِّينِ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا أَدْرِي أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ عِتِيًّا أَوْ عِسِيًّا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا : كُلُّ مُبَالِغٍ مِنْ كِبْرٍ أَوْ كُفْرٍ أَوْ فَسَادٍ فَقَدْ عَتَا يَعْتُو عِتِيًّا . قَوْلُهُ : ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا وَيُقَالُ صَحِيحًا ) هُوَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ : ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا وَأَنْتَ صَحِيحٌ ، فَحُبِسَ لِسَانُهُ فَكَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ التَّوْرَاةَ وَيُسَبِّحُ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُكَلِّمَ النَّاسَ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ : اعْتُقِلَ لِسَانُهُ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ .
قَوْلُهُ : ( فَأَوْحَى : فَأَشَارَ ) هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُمْ . قَوْلُهُ : ( حَفِيًّا : لَطِيفًا ) هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا أَيْ مُحْتَفِيَا ، يُقَالُ تَحَفَّيْتُ بِفُلَانٍ . قَوْلُهُ : ( عَاقِرًا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْعَاقِرُ الَّتِي لَا تَلِدُ ، وَالْعَاقِرُ الَّذِي لَا يَلِدُ ، قَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ : لَبِئْسَ الْفَتَى إِنْ كَانَ أَعْوَرَ عَاقِرًا جَبَانًا فَمَا عُذْرِي لَدَى كُلِّ مَحْضَرِ وَقَالَ أَيْضًا : لَفْظُ الذَّكَرِ فِيهِ مِثْلُ لَفْظِ الْأُنْثَى .
قَالَ الثَّعْلَبِيُّ : وُلِدَ يَحْيَى وَعَمَّرَ زَكَرِيَّا مِائَةً وَعِشْرينَ سَنَةً وَقِيلَ تِسْعِينَ وَقِيلَ اثْنَتيْنِ وَتِسْعِينَ وَقِيلَ مِائَةً إِلَّا سَنَتَيْنِ ، وَقِيلَ إِلَّا سَنَةً . ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَالْغَرَضُ مِنْهُ ذِكْرُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا ، وَقَالَ فِيهِ وَفِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إِنَّهُمَا ابْنَا خَالَةٍ وَزَكَرِيَّا هُوَ ابْنُ أدن وَيُقَالُ ابْنُ شَبْوِي وَيُقَالُ ابْنُ بَارْخِيَا وَيُقَالُ ابْنُ أَبِي ابْنِ بَارْخِيَا ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بْنِ نَاشِي ، وَهُمَا مِنْ ذُرِّيَّةِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، وَاسْمُ أُمِّ مَرْيَمَ حِنَةُ بِمُهْمَلَةٍ وَنُونٍ بِنْتُ فَاقُودَ وَاسْمُ أُخْتِهَا وَالِدَةُ يَحْيَى إِيشَاعُ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأ كَانَتْ حِنَا عِنْدَ عِمْرَانَ وَأُخْتُهَا عِنْدَ زَكَرِيَّا وَكَانَتْ حِنَةُ أَمْسَكَ عَنْهَا الْوَلَدُ ثُمَّ حَمَلَتْ بِمَرْيَمَ فَمَاتَ عِمْرَانُ وَهِيَ حَامِلٌ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ : سَمِعْتُ مَالِكَ بْنِ أَنَسٍ يَقُولُ : بَلَغَنِي أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمٍ وَيَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا كَانَ حَمْلُهُمَا جَمِيعًا ، فَبَلَغَنِي أَنَّ أُمَّ يَحْيَى قَالَتْ لِمَرْيَمَ : إِنِّي أَرَى مَا فِي بَطْنِي يَسْجُدُ لِمَا فِي بَطْنِكِ ، قَالَ مَالِكٌ : أَرَاهُ لِفَضْلِ عِيسَى عَلَى يَحْيَى .
وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ : وُلِدَ يَحْيَى قَبْلَ عِيسَى بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ . وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ : وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا فَقِيلَ نُبِّئَ وَهُوَ ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ وَقِيلَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ ، وَالْمُرَادُ بِالْحُكْمِ الْفَهْمُ فِي الدِّينِ ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : كَانَ زَكَرِيَّا وَابْنُهُ آخِرَ مَنْ بُعِثَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَبْلَ عِيسَى ، وَقَالَ أَيْضًا : أَرَادَ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَتْلَ زَكَرِيَّا فَفَرَّ مِنْهُمْ ، فَمَرَّ بِشَجَرَةٍ فَانْفَلَقَتْ لَهُ فَدَخَلَ فِيهَا فَالْتَأَمَتْ عَلَيْهِ ، فَأَخَذَ الشَّيْطَانُ بِهُدْبَةِ ثَوْبِهِ فَرَأَوْهَا فَوَضَعُوا الْمِنْشَارَ عَلَى الشَّجَرَةِ فَنَشَرُوهَا حَتَّى قَطَعُوهُ مِنْ وَسَطِهِ فِي جَوْفِهَا . وَأَمَّا يَحْيَى فَقُتِلَ بِسَبَبِ امْرَأَةٍ أَرَادَ مَلِكُهُمْ أَنْ يَتَزَوَّجهَا ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى : إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَكَ لِكَوْنِهَا كَانَتْ بِنْتَ امْرَأَتِهِ ، فَتَوَسَّلَتْ إِلَى الْمَلِكِ حَتَّى قَتَلَ يَحْيَى ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ عِيسَى .
وَرَوَى أَصْلَ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَرَوَى أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ دَمَ يَحْيَى كَانَ يَفُورُ حَتَّى قَتَلَ عَلَيْهِ بُخْتَنَصَّرُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَبْعِينَ أَلْفًا فَسَكَنَ .