بَاب قَوْلِهِ تَعَالَى إِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
بَاب قَوْلِهِ تَعَالَى : إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ - إِلَى قَوْلِهِ - فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ يُبَشِّرُكِ وَ يَبْشُرُكِ وَاحِدٌ . وَجِيهًا شَرِيفًا . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : المَسِيحُ : الصِّدِّيقُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْكَهْلُ الْحَلِيمُ . وَالْأَكْمَهُ : مَنْ يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ وَلَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : مَنْ يُولَدُ أَعْمَى .
3433- حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ : سَمِعْتُ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ . كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِزِيَادَةِ وَاوٍ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْآيَةِ وَهُوَ غَلَطٌ ، وَإِنَّمَا وَقَعَتِ الْوَاوُ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا ، وَأَمَّا هَذِهِ فَبِغَيْرِ وَاوٍ .
قَوْلُهُ : ( يَبْشُرُكِ وَيُبَشِّرُكِ وَاحِدٌ ) يَعْنِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَضَمِّ الْمُعْجَمَةِ ، وَبِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ ، وَالْأُولَى وَهِيَ بِالتَّخْفِيفِ قِرَاءَةُ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ ، وَحَمْزَةَ ، وَالْكِسَائِيِّ ، وَالْبَشِيرُ هُوَ الَّذِي يُخْبِرُ الْمَرْءَ بِمَا يَسُرُّهُ مِنْ خَيْرٍ ، وَقَدْ يُطْلَقُ فِي الشَّرِّ مَجَازًا . قَوْلُهُ : وَجِيهًا أَيْ ( شَرِيفًا ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الْوَجِيهُ الَّذِي يَشْرُفُ وَتُوَجِّهُهُ الْمُلُوكُ أَيْ تُشَرِّفُهُ ، وَانْتَصَبَ قَوْلُهُ : وَجِيهًا عَلَى الْحَالِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : الْمَسِيحُ الصِّدِّيقُ ) وَصَلَهُ سُفْيَان الثَّوْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ رِوَايَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنِ مَسْعُودٍ عَنْهُ عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ النَّخَعِيُّ قَالَ : الْمَسِيحُ الصِّدِّيقُ .
قَالَ الطَّبَرِيُّ : مُرَادُ إِبْرَاهِيمَ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ مَسَحَهُ فَطَهَّرَهُ مِنَ الذُّنُوبِ ، فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ . قُلْتُ : وَهَذَا بِخِلَافِ تَسْمِيَةِ الدَّجَّالِ الْمَسِيحَ فَإِنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ يُقَالُ إِنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ يَمْسَحُ الْأَرْضَ وَقِيلَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ فَهُوَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ، قِيلَ فِي الْمَسِيحِ عِيسَى أَيْضًا إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ مَسْحِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَقِرُّ فِي مَكَانٍ ، وَيُقَالُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ ذَا عَاهَةٍ إِلَّا بَرِئَ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ مُسِحَ بِدُهْنِ الْبَرَكَةِ مَسَحَهُ زَكَرِيَّا وَقِيلَ : يَحْيَى ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ مَمْسُوحَ الْأَخْمَصَيْنِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ جَمِيلًا . يُقَالُ : مَسَحَهُ اللَّهُ أَيْ خَلَقَهُ خَلْقًا حَسَنًا .
وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ بِهِ مَسْحَةٌ مِنْ جَمَالٍ . وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : لِأَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ الْمُسُوحَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْكَهْلُ الْحَلِيمُ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ قَالَ : الْكَهْلُ الْحَلِيمُ انْتَهَى ، وَقَدْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ : إِنَّ هَذَا لَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ ، وَإِنَّمَا الْكَهْلُ عِنْدَهُمْ مَنْ نَاهَزَ الْأَرْبَعِينَ أَوْ قَارَبَهَا ، وَقِيلَ : مَنْ جَاوَزَ الثَّلَاثِينَ وَقِيلَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ انْتَهَى .
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُجَاهِدًا فَسَّرَهُ بِلَازِمِهِ الْغَالِبِ ، لِأَنَّ الْكَهْلَ غَالِبًا يَكُونُ فِيهِ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي قَوْلِهِ : وَكَهْلًا هَلْ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : وَجِيهًا أَوْ هُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُكَلِّمُ أَيْ يُكَلِّمُهُمْ صَغِيرًا وَكَهْلًا ؟ وَعَلَى الْأَوَّلِ يَتَّجِهُ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ . قَوْلُهُ : ( الْأَكْمَهُ مَنْ يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ وَلَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ مَنْ يُولَدُ أَعْمَى ) أَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ تَفَرَّدَ بِهِ مُجَاهِدٌ ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَعْشَى . وَأَمَّا قَوْلُ غَيْرِهِ فَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ : كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ الْأَكْمَهَ الَّذِي يُولَدُ وَهُوَ مَضْمُومُ الْعَيْنِ .
وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ : الْأَكْمَهُ الْأَعْمَى . وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، وَعَنِ الْحَسَنِ وَنَحْوِهِمْ ، قَالَ الطَّبَرِيُّ : الْأَشْبَهُ بِتَفْسِيرِ الْآيَةِ قَوْلُ قَتَادَةَ ، لِأَنَّ عِلَاجَ مِثْلِ ذَلِكَ لَا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ ، وَالْآيَةُ سِيقَتْ لِبَيَانِ مُعْجِزَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَالْأَشْبَهُ أَنْ يُحْمَلَ الْمُرَادُ عَلَيْهَا وَيَكُونَ أَبْلَغَ فِي إِثْبَاتِ الْمُعْجِزَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدَيْثَيْنِ أَحَدُهُمَا حَدَيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي فَضْلِ مَرْيَمَ وَآسِيَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي آخَرِ قِصَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ .