بَاب مَا ذُكِرَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ، أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ . الْحَدِيثُ التَّاسِعُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ ) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ .
قَوْلُهُ : ( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ) قَالَ الْمُعَافَى النَّهْرَوَانِيُّ فِي كِتَابِ الْجَلِيسِ لَهُ : الْآيَةُ فِي اللُّغَةِ تُطْلَقُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ : الْعَلَامَةُ الْفَاصِلَةُ ، وَالْأُعْجُوبَةُ الْحَاصِلَةُ ، وَالْبَلِيَّةُ النَّازِلَةُ . فَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى : آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَمِنَ الثَّانِي : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمِنَ الثَّالِثِ : جَعَلَ الْأَمِيرُ فُلَانًا الْيَوْمَ آيَةً . وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ قِيلَ لَهَا آيَةٌ لِدَلَالَتِهَا وَفَصْلِهَا وَإِبَانَتِهَا .
وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ وَلَوْ آيَةً أَيْ وَاحِدَةً لِيُسَارِعَ كُلُّ سَامِعٍ إِلَى تَبْلِيغِ مَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الْآيِ وَلَوْ قَلَّ لِيَتَّصِلَ بِذَلِكَ نَقْلُ جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . اهـ كَلَامُهُ . قَوْلُهُ : ( وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ ) أَيْ لَا ضِيقَ عَلَيْكُمْ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُمْ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّجْرُ عَنِ الْأَخْذِ عَنْهُمْ وَالنَّظَرِ فِي كُتُبِهِمْ ، ثُمَّ حَصَلَ التَّوَسُّعُ فِي ذَلِكَ ، وَكَأَنَّ النَّهْيَ وَقَعَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْأَحْكَامِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْقَوَاعِدِ الدِّينِيَّةِ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ ، ثُمَّ لَمَّا زَالَ الْمَحْذُورُ وَقَعَ الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ لِمَا فِي سَمَاعِ الْأَخْبَارِ الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَانِهِمْ مِنْ الِاعْتِبَارِ ، وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْلِهِ لَا حَرَجَ : لَا تَضِيقُ صُدُورُكُمْ بِمَا تَسْمَعُونَهُ عَنْهُمْ مِنَ الْأَعَاجِيبِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُمْ كَثِيرًا ، وَقِيلَ : لَا حَرَجَ فِي أَنَّ لَا تُحَدِّثُوا عَنْهُمْ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوَّلًا : حَدِّثُوا صِيغَةُ أَمْرٍ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، فَأَشَارَ إِلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ، وَأَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلْإِبَاحَةِ بِقَوْلِهِ : وَلَا حَرَجَ أَيْ فِي تَرْكِ التَّحْدِيثِ عَنْهُمْ .
قِيلَ : الْمُرَادُ رَفْعُ الْحَرَجِ عَنْ حَاكِي ذَلِكَ لِمَا فِي أَخْبَارِهِمْ مِنَ الْأَلْفَاظِ الشَّنِيعَةِ نَحْوَ قَوْلِهِمِ : اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا . وَقَوْلُهُمْ : اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْلَادُ إِسْرَائِيلَ نَفْسِهِ وَهُمْ أَوْلَادُ يَعْقُوبَ ، وَالْمُرَادُ حَدِّثُوا عَنْهُمْ بِقِصَّتِهِمْ مَعَ أَخِيهِمْ يُوسُفَ ، وَهَذَا أَبْعَدُ الْأَوْجُهِ .
وَقَالَ مَالِكٌ الْمُرَادُ جَوَازُ التَّحَدُّثِ عَنْهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ حَسَنٍ ، أَمَّا مَا عُلِمَ كَذِبُهُ فَلَا . وَقِيلَ الْمَعْنَى حَدِّثُوا عَنْهُمْ بِمِثْلِ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ . وَقِيلَ الْمُرَادُ جَوَازُ التَّحَدُّثِ عَنْهُمْ بِأَيِّ صُورَةٍ وَقَعَتْ مِنَ انْقِطَاعٍ أَوْ بَلَاغٍ لِتَعَذُّرِ الِاتِّصَالِ فِي التَّحَدُّثِ عَنْهُمْ ، بِخِلَافِ الْأَحْكَامِ الْإِسْلَامِيَّةِ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي التَّحَدُّثِ بِهَا الِاتِّصَالُ ، وَلَا يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ لِقُرْبِ الْعَهْدِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُجِيزُ التَّحَدُّثَ بِالْكَذِبِ ، فَالْمَعْنَى حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا لَا تَعْلَمُونَ كَذِبَهُ ، وَأَمَّا مَا تُجَوِّزُونَهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ فِي التَّحَدُّثِ بِهِ عَنْهُمْ ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ : إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ . وَلَمْ يَرِدِ الْإِذْنُ وَلَا الْمَنْعُ مِنَ التَّحَدُّثِ بِمَا يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ . قَوْلُهُ : ( وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ ، وَذَكَرْتُ عَدَدَ مَنْ رَوَاهُ وَصِفَةَ مَخَارِجِهِ بِمَا يُغْنِي عَنِ الْإِعَادَةِ .
وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَغْلِيظِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ ، حَتَّى بَالَغَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فَحَكَمَ بِكُفْرِ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ ، وَكَلَامُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ يَمِيلُ إِلَيْهِ . وَجَهِلَ مَنْ قَالَ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ وَبَعْضِ الْمُتَزَهِّدَةِ : إِنَّ الْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجُوزُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَقْوِيَةِ أَمْرِ الدِّينِ وَطَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ ، وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ الْوَعِيدَ وَرَدَ فِي حَقِّ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ لَا فِي الْكَذِبِ لَهُ ، وَهُوَ اعْتِلَالٌ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَعِيدِ مَنْ نَقَلَ عَنْهُ الْكَذِبَ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ ، وَالدِّينُ بِحَمْدِ اللَّهِ كَامِلٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى تَقْوِيَتِهِ بِالْكَذِبِ .